مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

مناجزة الإلحاد

إسحاق نيوتن

كانت تلك العبقرية المنتَظَرة هى عبقريَّةُ إسحاق نيوتن (Newton))

فعلى خلاف منهج جاليليو في إرجاع العلوم إلى الآلية الرياضية رأى نيوتن في الآلية الميكانيكية منهجًا أنجعَ تُفسَّر من خلاله الظواهر الكونية وحركات الأفلاك والكواكب وحساباتها النسبية، وقد نجح في ذلك نجاحًا باهرا، لكن علقت في مِخَاخ رأسه بعض الاستفهامات المهمة لم تسعفه قوانينه بالإجابة عنها: فما الذي يُبقي هذه الكواكب في مداراتها؟! وكيف تحدد هذه الكواكب مداراتها المتناسقة بدقّةٍ مع أنَّ المادة خاملة وعاجزة؟! إنَّ الجاذبية وقوانين الحركة الميكانيكية لا تستطيع تفسير ذلك وحدها!! والجواب الحاضر عند نيوتن هو الجواب ذاته الحاضر عند علماء عصره عن مثل هذه التساؤلات ألا وهو: (الله). فلا بُدَّ إذن من تدخُل (الله)

بليز باسكال في تسيير أمور الكون، فذلك أمر ضروري لبقاء النظام الكوني على ما هو عليه، وقد كان نيوتن إبان صياغته لكل قانون من قوانينه ولكل مبدأ

من مبادئه العلمية يسعى إلى ترسيخ إثبات وجودِ الله بالطرق العلمية حسب اعترافه شخصيًّا بذلك في خطابه إلى العالم الثيولوجي الإنجليزي ريتشارد بنتلي (3). إِنَّ عِلم نيوتن وفلسفته وجها ضربة موجعةً لكل فلسفة تسعى إلى تمييع فكرة وجود الله وتصرفه في الكون، فمنهج نيوتن جاء لترسيخ عقيدة وجود الله في قالب علمي تجريبي، فلئن كانت معرفة الله مستحيلةً عند اللاهوتيين ولا يُمكن الوصول إليها مطلقًا من خلال الطبيعة والكون، فها هو نيوتن قد صرع هذه العقيدة الاهوتية في عقر دارها وبرهن على أنَّ معرفة الله لها سبيل مبثوث في الطبيعة والكون. لقد حذر الفيلسوف الفرنسي الشهير بليز باسكال Pascal)(3) من مثل هذا المنهج في التَّعاطي مع أمور الإيمان؛ إذ سيتم اختزال وجود د الله وتصرُّفه في الكون في قالب علمي

1 - فيزيائي وعالم رياضيات وفيلسوف ولاهوتي إنكليزي (1642 - 1727 م) كان من الموحدين، فأنكر القربان المقدس ورفض كثيرًا من المعتقدات لكونها في نظره غيبيَّةً خرافية، وقد كتب كثيرًا في هذا الشَّأن وتركه من دون نشر حفاظًا على سمعته تجاه الجمهور المؤمن، والطريف أن نيوتن - على علمه - كان يُفكر في تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية). ويُذكر أنَّ نيوتن وُلِد وهو غير مكتمل النُّمو، وظُنَّ بأنه سيعيش لسويعات فقط!! (يُنظر: فيصل سعد كنز، إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية، ص 4). 2 - يُنظر: کارن آرمسترونغ، الله لماذا، ص (315 - 317).

3 - رياضي وفيزيائي وفيلسوف وكاتب ولاهوتي فرنسي (1623 - 1662 م) يُعد أحد مكتشفي حساب الاحتمالات، وهو من اخترع الآلة الحاسبة في عام (1649 م)، عاش حياته باحثًا عن القداسة أكثر من بحثه عن الفلسفة، لكنه في غمرة الإصلاح الديني في أوروبا أشرك نفسه في النزاعات الدينية. ينظر: الموسوعة العربية العالمية).

134