مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٧١المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
تحولت المعتقدات والأديان في المجتمعات الأوروبية إلى مجرَّد هوايات فردية مستقلة ومبتوتة الأرومة عن واقعها المجتمعي). إنَّ التَّيارات الاجتماعية هذه قد أعطت حريةً للتَّعدُّدية، أو لنقل تسامحا دينيا مفرِطا من بعض الوجوه، هذا التسامح أخذ في الاطّراد والاندياح، وولد عدم مبالاة بالدين، فلم يعد إلزاميا أن يكون المرء متدينا، وليس من العار أن يكون المرءُ ماديَّا جِلْفًا، بل إنَّ التدين أقرب ما يكون إلى الرَّجعيَّةِ منه إلى التَّقدُّم، فأخذت أعداد المتدينين على إثر هذا بالتناقص رويدا رويدا، خصوصًا وأنَّ مثل هذه النظم الاجتماعيَّة قد رفَدَت التَّقدُّمَ الحضاري المشهود الذي غاب في العصر الكنسي.
كما تم اجتماعيا تعطيل مفهومين وثيقي الصلة هما (التَّجمع) و (الكون)، وحل محلهما (الفرد) و (الفضاء غير المحدود)، فبدلا من مجتمع متدرّج يملك فيه كل إنسان مكانه الخاص؛ جاء الانعزال والحرية والذاتية، فالفرد هو كلُّ شيءٍ ولا يتمتَّع بأي رحمة تجاه الآخرين، مع أنَّه لا يُمنع أن يعمل على نحو معتادٍ من أجلهم!! فالسيادة المطلقة للعقل البشري والتي تم تطعيمها بجرعات هيستيرية من الفكر الحر والتوجهات الشكوكية والممارسات النقدية للدين تمخضت عنها مضاعفات إلحاديَّةٌ خطيرة خصوصًا بعد تفجر الثَّورة الفرنسية.
1 - يُنظر: مارسيل غوشيه الدين في الديمقراطية، ص (10 - 12).
2 - يُنظر: لوسيان غولدمان الإله الخفي، ص (60 - 61).
171