مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

لمونتيني

اللاهوتية حول الكون مهيمنةً على الأدب الأوروبي، ثم انحسر بريقها بعد أن تجلت الرُّوحُ الجديدة منذ القرن الخامس عشر، فأُخلي السَّبيلُ لوجهات نظر مختلفة، وجاءت وجهات النظر هذه محمولة على أكتاف العلمانية فيما يخص موقفها من قضايا الكون والإنسان، ثم أضاف القرن السابع عشر روحًا جديدةً أخرى عندما استجاب الأدب لأبواق التشكيك والعقلانية حتَّى سُمّي من بعده القرنُ الثَّامن عشر بعصر العقل. لقد بدأت تباشير مرحلة مختلفة من الأدب تدخل في الجو العام منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر؛ إذ عمد اللغويون الأوروبيون إلى إعادة قراءة الكتاب المقدَّس قراءة نقدية، فرفعوا يافطة (العودة إلى الينابيع؛ أي النُّصوص المقدَّسة الأصيلة. وفي الفترة ذاتها نُشرت بعض الأعمال الأدبية التي تنتقد الدين وتسخر منه وتقف تجاهه موقف المتشكك، وقبل ذلك كان أدب الرحلات أيضًا مؤذنا بتحولات كبرى؛ ففيه أطلع الأدباء الجمهور الأوروبي على ما لم يكن في بالهم من اختلاف ثقافات النَّاس وأديانهم وعباداتهم وسائر شؤون حياتهم. إنَّ المذاهب الأدبية بأسرها ما هي إلا اتجاهات فكريَّةٌ وذوقيَّة)، لذا كان لا بد لكل فريق - بعد الانشقاقات الدينية - من أن يُدعِم قضيَّته بكل ما أمكنه، فلم يسلم الأدب من الاستخدامات الأيديولوجية. هذا؛ وقد بدأ العمل الأدبي يتحرّر من القيود الدينية ويميل إلى الحرية المطلقة، ولعل كتاب

(2)

المحاولات لمونتيني (Montaigne) (1) أبرز مثال على ذلك، فقد نهج نهجا نحى فيه الدين وعقائده جانبا، بل وجد كثير من الماديين آنذاك في هذا العمل الأدبي ضالتهم ليبرروا نمط حياتهم وتفكيرهم كذلك اتَّجه كُتّاب الهزل إلى إعطاء المادَّة وجميع ما يخص الجسم الإنساني كل أولوية ممكنة، ولم يكن واردًا لديهم أن يُخضعوا أنفسهم للرقابة الذاتية، ولم يقف الهزل عند حدود الدين والكنيسة بل تجاوزهما بمراحل! لقد تم إيقاظ التراث الوثني الإغريقي من سباته، وكانت تلك هي الخطوة الأولى نحو الانفلات من القبضة الحديدية للكنيسة، والانقضاض على فكر القرون الوسطى وتقاليدها، فعن طريق إحياء الآداب الإغريقية استطاع أدباء النهضة وفنانوها النفاذ إلى عالم آخر لا أثر فيه لشيءٍ من اللاهوتيات. لقد كان أدباء عصر النهضة مستمرين في القيام بالأعمال التي ورثوها عن الرواد السابقين، ثمَّ تحوّل الأدب في العصور

1 - يُنظر: محمد العلي الحداثة في العالم العربي، ص 571. 2 - مونتينيي ميشيل دي (1533 - 1592 م) كاتب وأديب وفيلسوف فرنسي، يعد رائد المقالة الحديثة في أوروبا، وكتابه (المحاولات) هو الكتاب الوحيد له بالرغم من تأليفه بعض النُّصوص الأخرى. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

173