مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٧٤مناجزة الإلحاد
ووردزورث
الحديثة إلى أدب يتجافى عن مضاجع الدين، ويبتعد عن مصافحة راحة اللاهوت، وقد قام دانتي في هذا المجال بمثل ما قام به مكيافيلي في مجال السياسة؛ إذ خرج على الكنيسة وناقض تقاليدها ومقاييسها، وابتداءً منه أخذ الأدبُ الأوروبي يُحلُّ الإنسانَ شيئًا فشيئًا محلَّ الإله، فالاهتمام بالإنسان الذي نبه إليه دانتى ومعاصروه كان المنطلق لمحاولة تأليهه وتصويره على أنَّه إله حقيقي، تلك المحاولة التي بدأت في القرن التاسع عشر واكتملت على يد جان بول سارتر). كذلك سيطرت فكرةُ الحلول على الشعراء، فانطلقوا من استحضار الطبيعة ليذلُوا بشهاداتهم حول الإله غير المنظور. ونجد تمجيد الطبيعة في القرن التاسع عشر طاغيًا خصوصًا في أدب ووردزورث (Wordsworth)(2). كما شهد هذا القرن عزوفًا أدبيا عن الحقائق الدينية ممَّا مكَّن المتشككين من التزود بمعتقد بديل من حيثية أدبية، فالأدب الفكتوري الذي تميز بغرامه للطَّبيعة اتسم بـ (اللاأدرية). وفي القرن العشرين أعلن الأدب السريالي الابتعاد الشامل عن التقاليد، ثمَّ ساد الشُّعور بالشك وعدم جدوى الحلول الفلسفية والدينية لكل المشكلات الإنسانية. إنَّ الأدب بعمومه يتأثر بالفلسفات التي يعيش في كنفها، فالفلسفة الوجودية على سبيل المثال وجدت في الروايات والمسرحيات شرفةً تُطِل بها على العالم، وقد أُفرغَ الأدبُ الوجودي في قوالب من التشاؤم والحيرة والضياع والكآبة (3)، فالإنسان وحيد في عالم بلا آلهة)، والحال ذاته ينطبق على فلسفة العدم التي ألقت بظلالها على الأدب الأوروبي وسُمي نتاجها بـ (الأدب العدمي)، حيث ضم الروايات والمسرحيات والقصائد التي تُركز على تجارب الشَّخصيَّات في الحالات التي يفقدون فيها الغائية والهدفية)، وغالبًا ما تتمثل هذه الحالات في أحداث وأفعال عبثية لا معنى لها إطلاقًا، ومن أساليب التعبير عنها: استخدام السُّخرية والدعابة السوداء، والتناقض، وتحقير المنطق والجدل بشأن الحالة الفلسفية بأنَّها لا شيء!! ويُعالج هذا الأدب موضوعات عدميَّةٍ ولا أدريَّة (1).
1 - يُنظر: سفر الحوالي، العلمانية، ص (454 - 461).
2 - كاتب وأديب إنجليزي (1770 - 1850 م) تعرّضت أشعاره للنقد فكان ذلك سببًا لشهرته (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُراجع مقالة: الأدب الوجودي)، شبكة الألوكة، (17/ 12/ 2009 م).
- يُنظر إبراهيم، فتحي معجم ا المصطلحات الأدبية، ص (404).
ه - يُراجع للمزيد: نانسي هيوستن أساتذة اليأس.
6 - يُراجع: فاطمة محمد، مقالة (أدب العبث)، موقع منصة المترجم، (19/ 12/ 2012 م).
174