مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

مناجزة الإلحاد

الوعي

مبدأ أنَّ

المتبلد بصياغة واقع جديد عبر تمزيق القديم، وبالميل إلى حقيقة تنطلق من التجربة الإنسانية المعاصرة تتطلَّب انهيار البنى والأطروحات القديمة). كانت اللوحات الفنيَّة في القرن الخامس عشر - على سبيل المثال - تحمل طابعا دينيا بنسبة لوحة واحدة مقابل كل عشرون لوحة والانعطاف الأكبر في أساليب الفنون المبتكرة حدث بعد الحرب العالمية الأولى، ثمَّ التَّحوُّل الجذري بعد الحرب العالمية الثانية، ففي الفترة الممتدة ما بين هاتين الحربين حصلت تحولات كبرى عزّزت موقف الفن وحثته على مجابهة الفكر القديم والانقلاب على القوانين الكلاسيكية، فأنتج فنوناً مضادَّةً لها ومدمرة في بعض الأحيان ("). وبعد التقدم الكبير الذي أحرزته وسائل الإعلام لم يكن لها من منازع في قوَّة التَّحكم

بعقول الناس وطريقة سلوكهم، فظهرت الصور الضوئية والأفلام المرئية، وتم استغلالها في بثّ الأيديولوجيات وتغيير قناعات النَّاس بوعي منهم وبغير وعي بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، فالقارئ والمستمع عادةً ما يكون على دراية بما سيختاره قبل القراءة والاستماع، كما أنَّ توجهات الكاتب أو المتحدث عادةً ما تكون معلومةً لدى المتلقي بخلاف الأفلام، وهذا يعني أنَّ المتلقي قد تنطلي عليه تمريرات من هنا وهناك بحكم عُنصُرَي المفاجأة والغموض في الأفلام المرتقبة، فمثلا: في مشهد لا يتعدى الدَّقيقة الواحدة من فلم (الحراس) (2009 م) تقوم إحدى شخصيَّاته على كوكب المريخ وأمام جسم كبير ومعقد أشبه ما يكون بساعةٍ عملاقة بتمرير عبارة: "ساعة بغير صانع. وكأنها عبارةٌ عادية وهي في حقيقتها تعني نسف السببية والبدهية والتشكيك فيها، فساعة بدون صانع ككون بدون خالق كما ادعى ذلك ريتشارد دوكنز في كتابه (صانع الساعات الأعمى)! إِنَّ الأفلام بطبيعتها تعرض وجهة النظر الواحدة التي يعتنقها الكاتب أو المخرج، فهما من يُحددان الغاية والمقصود، والمتلقي أحيانًا قد يرى بعين الكاتب أو المخرج دون شعور منه، ولربما كانت وجهة النظر هذه تنزع نزعةً عدميَّةً أو عبثيةً أو ما شابه ذلك! ومن أقوى آثار الأفلام على الإطلاق ما يُعرف بـ (التحفيز على التقليد)؛ إذ يتم تقديم القدوة بتكرار المشاهد التي تدلُّ على أوضاع وتصرُّفات إلحادية، أو إراقة مقولاتٍ إلحاديَّة على مسامع المتلقي، وقد تُقدّم هذه الأفلام أبطالها بوصفهم ملحدين لا يدينون بدين، أو بوصفهم عابثين لا يرون أي قيمة للحياة، بل إنَّ شخصيَّات الأطفال لم تسلم هي الأخرى من هذا العبث بالعقول؛ حيث قدَّموا لهم شخصيَّةً

1 - يُراجع ريتشارد، تارناس آلام العقل الغربي، ص (466 - 470).

2 - يُنظر: عقيل مهدي يوسف، أقنعة الحداثة، ص 20.

178