مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٧٧المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
خامسا:
الصور الفنّي
توشح الفن هو الآخر بوشاح التَّحرُّر، ولأنَّ الفنّ يعكس شخصية صاحبه فلا غرابة في أن تظهر النزعات الشَّخصيَّة عليه، وتنتشر تلك النزعات بانتشار الأعمال الفنية، فإذا نحا الفنان نحو الشَّهوانية أو الحريَّة أو التقليل من شأن المقدَّسات الدينية أو النيل منها فإنَّ ذلك سيؤدي تباعًا إلى نشر هذه الثقافة بين شرائح المجتمع المختلفة رويدا رويدا، وهذا ما حصل بالفعل في أوروبا.
لربما كان الفن في تأثيره على النَّاس أقوى من الكتابات الأدبية نفسها؛ حيث إنَّ الفنَّ في حقيقته تجسيد للكتابات الأدبية، ففنون الرسم والتصوير والتمثيل على اختلاف أنماطها تُعطي للمشاهد مادَّةً دسمةً لم يكن قد تعاطى معها بالوتيرة ذاتها التي ألفها في الأعمال الأدبية المكتوبة، فالفن يعكس في الغالب الواقع الخارجي للمحيط والبيئة، وتكون مهمته توجيه رسائل معينةٍ تُمتِّلُ موقفه الخاص تجاه الموضوعات التي يسوقها للمتلقي؛ بحيث يقوم بترسيخ الموضوعات التي ينافح عنها ويذود عن حياضها، أو تلك التي يرفضها ويُشهرها أمام الجمهور ويُخرجها للعلن بقوَّة الفن).
تلك
ظهرت في القرن التاسع عشر نظرية الفن للفن)، وسواء أخذنا بمعناها الحرفي أم لم نأخذ فإنَّ العلمنة هي محصلتها النهائية، ثم حصلت القطيعة الكاملة بين الفن والعالم في مطلع القرن العشرين تأثرا بأطروحات نيتشه الجذريَّة)، وصارت الفنون في ريبة من أمرها، التردُّد يملا فاها والحيرة ترتسم على مُحيَّاها، والشَّك ينخر جسمها، وأصبح المتذوق لها في حالة توتر وترقب، فبات الجمال في الفنون يبحث عنه في العفوي والشّاذ والثافه، فالفنون غير قابلة للفهم إلا من قبل حفنة من غريبي الأطوار، وباتت الفنونُ مهرَّمةً بجعل العالم يبدو غريبًا بزلزلة
1 - يُنظر: عقيل مهدي يوسف، أقنعة الحداثة، ص 15.
2 - يُنظر: تودوروف، الأدب في خطر، ص 38.
177