مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٨١المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
سادسا:
وأضحى الإلحاد فتيا
بعد أن طُرحت قضيَّةُ (الإله) باعتبارها فرضيَّةً علميَّةً في القرون الأخيرة، ثمَّ أُسندت إليها مهمَّة القيام ببضع وظائف لم يكن العلم قد توصل بعد إلى ما يسد شاغرها؛ جاءت الفرضيات العلميَّة لتأخذ بزمام تلك الوظائف الشاغرة وظيفةً تلو الوظيفة؛ على أمل إنهاء الشواغر وسدّ الفراغات، وما إن نفدت أهم تلك الشَّواغر حتَّى انتهت معها الحاجة إلى (الإله)، بل وطويت صفحة وجوده، وأُعلن الحداد عليه!
لقد ظل الكونُ يُدار باستمرار بواسطة (الإله) خالقه ومبدعه، وتقرر بعد ذلك أنَّ الكون ظاهرة خاضعة للطَّبيعة وقوانينها الآلية ظاهرة قابلة للفهم من منطلقات تجريبيَّةٍ رياضيةٍ فيزيائيَّة، فلم يُعط الإله إلا تكليفا شرفيًّا يُلاطِف الكونَ وقوانينه، ثمَّ انسحب تدريجيا فظل مجرد رمز فاعل للحب والخلاص والمعجزات وأخذ الكونُ يعتمد على نفسه فقط بوجود إله متعال أو كامن، ومع مرور الزمن فإِنَّ حظوظ الإله نفسه وآثار تصرُّفه في الكون قد تبددت وتلاشت، فمن غير الممكن معاينتها والبرهنة عليها تجريبيًّا.
والتأكيد المسيحي بتفوق كل ما هو روحي على كل ما هو مادي انقلب رأسًا على عقب، فالعلاقة أصبحت حميمية بين الإنسان والمادة، وذات عداءٍ صارخ مع ما وراءها، وحلَّ العلم الطبيعي محلَّ الدين، فالمرجع الفكري هو العلم لا الدين له الأمر وله الحكم ولا معقب من بعده، وكأنَّ الحقيقة عتبة لا تطؤها إلا قَدَمُ العلم الطبيعي وهذه الإطلاقات بالتأكيد لا تُجسّد الواقع بعمومه، ولا تنطبق على كل المدة الزمنية للعصر الحديث، فهناك منعرجات وتطورات في الاتجاه المقابل.
ارتفعت الأصواتُ المنادية بموت (الإله)، وأصبحت هذه الموجة تميل إلى التمحور كمدرسة فكرية أو منهج فلسفي ولا يُعلم بالتحديد المعنى المقصود منها، فهل موت (الإله) يعني عدم وجوده المطلق؟! أو يعنى أنَّه كان موجودًا ثُمَّ اغتالته يدُ العدم؟! أو المعنى هو أنَّ الدين المسيحي لم يعد قادرًا على تخليص البشر؟! أو أنَّ الإله غائب ومختفٍ ولا يتدخل
181