مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٨٢مناجزة الإلحاد
في حياتنا؟! أو أنَّ اللغة قاصرة ولا تستوعب معنى الإله حقيقةً؟! أو غير ذلك من التفسيرات التي طرحت في معنى هذه المقولة من بعد نيتشه). ولا شك أنَّ هذه المقولة تتبنى في مقدمتها وجود (الإله)، فالموت لا
يكون إلا للموجود الذي كان حيًّا ولكثرة الجدل الذي هتك ستر هذه
جون ج. روبنسون المقولة، وتشعب الاحتمالات التي تنهمر من سمائها على أرضية الأفهام؛ فلك أن تتصوَّرها على شاكلة ما تجده عند المفكر جون ج. روبنسون. J
Robinson .() الذي شنّ بمخالب كتاباته هجومًا ضاريًا على المؤمنين بوجود الله
ليس لأنَّه يُنكر وجوده بالمعنى الحرفي للإنكار، بل لأنَّه يؤمن
بأنَّ الله هو الوجود نفسه (3)!! إنَّ الإلحاد لم يأخذ طابعه الفكري المستقل ولم تتبلور رؤاه المنهجية على المستويات الحياتية كافة - بل ومن باب
ماتياس كنتزن أولى لم يكن ليمثل تيَّارًا جماعيًا بعد - إنَّه يمرُّ بأطوارٍ متأرجحة تنحو إلى الصعود تارةً والنزول تاراتٍ أُخر، فطوال مسيرته بدا كطائر مهيض الجناح
مخضود الشوكة لا يُسمح له بالتحليق فكل من انقدح في ذهنه أن يُنكر وجود الله لم تطاوعه نفسه بإطلاق تصريحاتٍ تُفيد الجزم، بل إنَّ كلَّ من كان يُضمر الإلحاد في نفسه لن يرتضي أن يُقال له (ملحد)؛ لما في هذا النَّعت من مسبَّةٍ ومذمَّةٍ وقدح؛ فالملحد هو المنحل عن كل القيم، الغارق في بحور البهيمية، هكذا كان واقع الحال بالرغم من أنَّ صيحات التحرر والحرية كانت قد طرقت الباب منذ عقود. ويظهر أنّ القرن السابع عشر الذي كان شاهدا على ولادة مدارس النقد الألمانية كان في الوقت نفسه شاهدًا أيضًا على أوّل محاولة لإعلان إنكار وجود الله بصورة صريحة وجريئة عبر تاريخ البشريَّة أجمعها، فلأوّل مرَّةٍ يصف شخص نفسه بكل صلافة بأنه ملحد ينكر وجود الله صراحة! كان ذلك الشخص هو الألماني ماثياس كنتزن (Matthias Knutzen). في بادئ الأمر كان كنتزن من أشد الناس انتقادًا للكنيسة لكنه لم يصل بعد إلى
1 - اشتهرت هذه المقولة عندما أطلقها نيتشه، وهذا لا يعني أنَّ نيتشه هو أول من أطلقها، فقد قيلت قبله ولكن في سياقات مختلفة، وتحت ذرائع ومعان متعددة.
2 - كاتب ومؤرخ أمريكي (1918 - 1996 م) كان عضوًا في منظمة المؤرخين الأمريكية، من أبرز أعماله: (النشأة الدموية)، و (النَّار والسيف)، و (مسار رحلة الماسونية).
- يُنظر: رمسيس عوض ملحدون محدثون ومعاصرون، ص (24 - 25).
4 - كاتب و ناقد ألماني (1646 - 1674 م) درس اللاهوت في بداية مشواره العلمي، اشتهر بانتقاده للسلطات الكنسية في خطبه، وكثيرًا ما كان يُصرح بعدم وجود القيم المتعالية (الله، والنفس، والآخرة).
182