مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٩٨مناجزة الإلحاد
أولا: على مأدبة السياسة
قبل ثلاثة قرون خلت أرخت الفوضى ستارها على شبه الجزيرة العربية، وملامح القلق والاضطراب علت مُحيَّاها؛ إذ كانت الجزيرة العربية تُعاني الأمرين؛ الشَّتات والتخلف. فالسلطات لا ضابط لها، ونواقيس الخطر تدقُ على مدار اليوم، وفوق ذلك دارت حروب طاحنة لإخضاع معظم أنحاء شبه الجزيرة العربية لدولة الحرمين، ثم استشعرت الدولة العثمانية خطر هذا التَّمدد، فدارت رحى الحرب من جديد، وظلَّ الأمرُ سجالًا بين الطرفين، والمنطقة على كف عفريت، ولم تسلم على العموم أي منطقةٍ في شبه الجزيرة العربية من مخالب الصراع وأنيابه، فشبح الحرب كان يلوح بيده باستمرار، إلى حين انعقاد الصلح عبر ترسيم الحدود حسب الاتفاقات والمواثيق الدولية.
عاش الفردُ في شبه الجزيرة العربيَّة وضعًا سياسيًّا مُزريًا، فالدين الذين يجمعهم لم يحقن دماءهم؛ لأنَّهم ابتعدوا عن منبعه الأصيل، وكل فصيل فيهم غلَّب انتماءه القبلي أو المذهبي على حساب الانتماء الديني، بل تم تجاهل هذا الأخير لصالح السياسة ومطامعها الماكرة؛ ممَّا أسهم في تهميش الجانب الديني وإعطائه بُعدًا تنظيريًا وَرَقيَّا، وسوف يترسَّخُ من حينها هذا المفهوم - مفهوم تغليب الانتماء السياسي على حساب الانتماء الديني - في ذاكرة الشعوب الحديثة، وينتقل تدريجيًّا إلى الأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل!
وبلاد الشام لم تكن بمعزل عن ذلك، فبعد أن أصبحت تحت قبضة الدولة العثمانية لم تقف أوروبا مكتوفة اليدين؛ إذ ثارت ثائرتها وهرعت إلى مجابهة الدولة العثمانية وإذكاء نيران الفتنة فيها، فبادرت إلى دعم كل الحركات التي تُناوئ الدولة العثمانية بكل صور الدعم وأشكاله، وأغدقت عليها صفات الإخلاص والتفاني والوطنيَّة، وأشعلت فتيل الطائفية والقومية، وظل الأمر على حاله والمناوشات والانقسامات تتربع على عرش المشهد الشامي إلى حين إعلان الاستقلال والانفصال). لقد أخذت السياسةُ كِتابَ القوميات بقوة هنالك بدعم غربي،
1 - يُراجع: إسماعيل ياغي، العالم العربي في التاريخ الحديث.
198