مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٩٩المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
فأضحى الانتماء إليها أقوى من الانتماء إلى الدين - مما يعني تهميش الدين - وأصبح الاقتتالُ باسم القومية مشروعًا تجاه أي انتماء آخر ولو استلزم التحالف مع الشَّيطان، فهو جائز ما دام من أجل خدود تلك الفاتنة التي يُقال لها: (القومية)!
واحتل الإنجليز العراق تحقيقا لاتفاقية سايس بيكو) وحاولوا بكل دهاء أن يصرفوا نظر العراقيين عن الحنين أو الرغبة في الاستقلال، ولم يمنع هذا من قيام ثورة عراقية كبرى أخمدها الإنجليز في نهاية المطاف، ثُمَّ أعلن استقلال العراق غداة التوقيع على معاهدة الحماية الإنجليزية عام (1930 م). أما في فالامر سيان، فبعد أن انضوت تحت لواء الدولة العثمانية جاءت فيالق الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، وتم احتلال مصر بعد معارك فاصلة، ثمَّ عادت التَّدخلات الأجنبية في شؤونها الداخلية من جديد، فوقعت تحت قبضة الإنجليز، وقامت الثَّورات الأهلية، وتوالت الانقسامات الداخلية واستمرت إلى العقود الأخيرة وإن تخللها الاستقرار بين الفينة والأخرى.
وأما بلاد السُّودان فقد حمي وطيس الحرب فيها بعدما صمَّمت الدول الأجنبية - بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا - على تقسيمها، فأدخلوها في حرب طاحنة مع الحبشة، ثمَّ وثَبَ الإنجليز على السودان ووضعوا كعبهم على صدر استقلالها في محاولةٍ منهم لتعميق جراحات الاحتلال، وظل الأمر على حاله إلى أن احتفلت السودان باستقلالها عام (1956 م) (2).
أما بلاد المغرب العربي وما جاورها فقد ظلت تحت وطأة الحروب الهوجاء والقلاقل المتعاقبة، فليبيا كانت خاضعةً للاحتلالين: الإسباني والفرنسي. ثم قررت إيطاليا الانقضاض عليها فكان لها ما أرادت، ودخل الإنجليز على خط المواجهة كدأبهم، واستمر الاقتتال والصراع على أشدّه إلى حين موعد إعلان الاستقلال عام (1951 م). وأما تونس فقد أنشَبَ الاحتلال الإسباني مخالبه فيها، ثمَّ رمت فرنسا بكل ثقلها بغية احتلال، تونس، فكان لها أيضًا ما أرادت، وبعد صراع طويل انجلت شدفة الاحتلال عنها عام (1956 م). والصراع بين المحتل وصاحب الأرض ظلَّ محتَدِمًا في بقيَّة الأقطار العربية، فقد كابدت تلك الدُّولُ أيضًا غُصَص الاحتلال وقاست عضَّ أنيابه قبل أن تنعم بنسمات الاستقلال (3).
1 - يُراجع: محمود صالح، الشرق العربي المعاصر.
- يُراجع: عبدالله عبدالرزاق، وعوقي الجمل، تاريخ مصر والسودان.
- يُراجع: محمود عمر، ومحمد خير فارس تاريخ المغرب العربي الحديث.
199