مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
ثالثًا على مأدبة الفكر والثّقافة
تجاوب العرب مع كل الحضارات ببساطة لا يماثلها في التَّاريخ البشري إلا ما فعله اليابانيون من اندماج بالوسائل العلمية والتقنية الغربية في العصر الماجي (1868 - 1912 م)، لكن الفكر العربي بدأ بالانحدار والضعف العام لاحقًا، وقد يكون هذا الضَّعفُ استراحة محارب جرى شوطاً طويلا، وشارك بإسهاب في مدافعة الفكر الإنساني والحضارة البشرية، وعمل على إنماء الجذور التي قامت عليها الحضارة الغربية الحديثة، وفي الوقت الذي كان فيه الغرب يضخ أفكاره إلى العالم العربي عبر أنابيب الاحتلال؛ كان هذا الأخير يُحاول استعادة عافيته، وينفض عن نفسه غُبار الجمود، ويُثبت للعالم أجمع أنه كان وما زال قادرًا على العطاء مدى الأزمان (2).
مر الفكر العربي الإسلامي بمنعرج تاريخي عندما تم إلغاء الشريعة الإسلامية من ممارساته الميدانيَّة، إذ بدأ الاحتلال الفرنسي بهذه الخطوة في الجزائر عام (1830 م) ثم انتقل إلى مصر، فبحلول عام (1883 م) لم تكن صلاحيَّاتُ الشَّريعة تتجاوز الأحوال الشَّخصيَّة إلا فيما ندر، تلتها تونس في عام (1906 م)، فالمغرب في عام (1913 م)، فبلاد الشام، فالعراق، وفي مصر أيضًا أُزمع على القضاء على الأزهر ومعاهده وإحلال المناهج (اللادينيَّة) محلها، وفي العراق وُضعت خطة شبيهة بتلك؛ حيث حُوّلَ العلماءُ إِلى مُجرَّدِ موظفين إداريين في الأوقاف؛ مما أدى إلى القضاء على التعليم الديني، وفي المغرب العربي قام الاحتلال الفرنسي بتحويل المساجد والجوامع إلى اصطبلات للخيول ومخازن للسلاح إضافةً إلى دعمه المكثف للتعليم (اللاديني). وعلى مستوى الأفكار فإنَّ الاحتلال الأجنبي فتح الباب لولوج جملة من التيارات والأفكار التي تُصادِمُ الفكر الإسلامي، وقد كان للاستشراقُ في ذلك القدح المعلى واليد الفارعة، فقد سعى إلى دليّ الفكر الإسلامي بوابل من التشكيكات في مسلماته، فطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنُّبوة، وروّج لفكرة انتهاء صلاحية الإسلام، ووضع بكل تلك الأطروحات الفكر العربي
1 - يُنظر: عزيز سوريال عطية العلاقات بين الشرق والغرب، ص (198 - 199).
2 - يُنظر: أنور الجندي، معالم الفكر العربي، ص (4 - 5).
209