مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

مناجزة الإلحاد

التربوية العربية في كل محتوياتها العلميَّة على مر التاريخ، ومع هذا الفصل الذي حدث بين العلوم ضمرت هذه القيم وخبا وهجها، وظهرت القِيمُ النَّفعيَّة المرتبطة بسوق العمل والتنمية على حسابه، فانحسرت المقاصد التّعبديَّة عن مختلف العلوم ومعلوم ما لهذه الخطوة من عواقب رأينا آثارها في مجتمعاتنا العربية، فانهيار المقاصد التعبدية والقيم ذات المرجعية الإلهية جعل المتلقين للعلوم الطَّبيعيَّة يُمارسون علومهم بمعزل عن تلك القيم، فأصبحوا بذلك

فريسةً يسهل اقتناصها، وأصبحوا في أرضية زلقةٍ لا تثبت أقدامهم عليها مع أوَّلِ هبة ريح كما ألقت الانقسامات بين المسلمين بظلالها على المشهد الديني في العصر الحديث فالدين لم يكن مبتوت الأرومة عن تلك الصراعات التاريخية التي يتم نفخ الروح فيها إلى اليوم، والشقاقُ الديني بين المسلمين ضاعف من حجم المعاناة التي يُقاسيها العالم العربي، وحيث إنَّ جوهر الدين يقوم على الترابط والألفة والمحبة فإنَّ الواقع لا يُصادق على ذلك؛ إذ أصبح الدين مطيَّةً للتَّناحر والتدابر والتَّقاطع، وأصبح بذلك سببًا فيما آلت إليه حال الأمة! اختلاف المذاهب الإسلامية وانقسامها على نفسها تم استغلاله عبر التاريخ الحديث في تبرير الانسلاخات الدينية وتمييع أحكام الدين ومبادئه، وأصبح التَّشكيك صرعةً من الصرعات التي يتم التسابق إليها، فالحقائق الدينية التبست بالنسبيَّات، وخطوط التَّماس بينها ما عادت واضحةً المعالم بحكم العصبيات المذهبية، وكما رأينا الأثر البارز الذي نجم عن الاختلافات الدينية بين رجال الدين وكنائسهم في أوروبا فإنَّ هنالك أثرًا مقاربًا له قد بدا وكأنه يُطل برأسه على العالم العربي. ثمَّ يأتي الخطاب الديني المعاصر الذي اتَّسم بعضُه بالجمود، واتَّسم بعضُه بالخرافات، واتّسم بعضُه بالبلادة في فهم واقع العصر ومتطلبات الشباب، وانتشى بعضُه بمحاربة حقائق العلم ونظرياته! وحسبك أيضًا ذلك الخطاب التَّحريضي الذي يبيح سفك دم المخالف، ويقتات على الفتاوى التكفيرية، ويُعطي لنفسه الحقَّ الشَّرعي بالتَّدخل في الشؤون الداخلية للدول وتحديد مصيرها. كانت تلك الأحداثُ - سالفة الذكر - المستجدة على الدين الإسلامي في العصر الحديث والمعاصر تفسح المجال رويدا رويدا للإلحاد ليتطفل على مائدة الدين ويحجز مقعدًا له فيها.

1 - يُراجع: خالد الصمدي، أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، ص (20 - 30).

208