مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي

كما لا يفوت السينما العربية تجسيد مفاهيم العدمية والعبثية والتي تتجلى في مظاهر اليأس، وعدم الثقة بالله، وعدم أهميَّة الحياة وإهمال الحساب والجزاء، ولك أن ترى الكم الهائل من الأفلام التي تَعرِضُ مثل هذه المظاهر، لا سيما ظاهرة الانتحار، فمشاهد انتحار الأبطال كثيرة جدًّا كما في أفلام (غرباء)، و (القطط السمان)، و (انتحار مدرس ثانوي)، و (بداية ونهاية) … إلخ.

لقد شككت سينما السَّبعينيات في القيم الأخلاقية، وحطَّت من شأن التعاليم الدينية وأعدمت جدواها، وصوّرت الدين على أنَّه مجموعة من القيود التي تُلجم الحريات وتكبح جماح الشهوات وتقدع فائر الغرائز، بينما أشادت بالقيم المختلة ورحبت بها، ولم تنفض السينما عن يدها غُبار ماضيها الذي كان في أكثره غريبًا عن الثقافة العربية الإسلامية ونصيرا للمادية الغربية وأخلاقياتها، فاستمرَّت في ترسيخ ماضيها عبر ما تعرضه في حاضرها؛ إذ ما زالت جميع الأخلاقيات والتَّوجُهات الدخيلة التي لا تمت إلى العالم العربي الأصيل بصلة تُعرض وتذاع، فالشذوذ يتم الترويج له على نارٍ هادئةٍ كما في فيلم (عمارة يعقوبيان) الذي عُرض - وما زال يعرض - في عام (1996 م)، فشخصيَّة (حاتم رشيد) - الصحفي الذي يحتل مكانةً مرموقةً في الوسط الاجتماعي - يُمارس شذوذه الجنسي مع جندي الأمن المركزي (عبدربه)، ثمَّ يتفارقان ليحصل الصحفي على عشيق جديد!! ومثل هذا يتم تكراره؛ ليصبح واقعا يجب تقبله في العالم العربي، فمؤخَّرًا عُرِضَ فيلم (أسرار عائلية واضعًا كل نقاطه على الشذوذ، مركّزا على معاناة الشاذين في العالم العربي من خلال تجسيده لقصَّةِ شاب شاذ يُعاني القهر ويكابدُ الظُّلم الاجتماعي والنظرة السلبيَّة، ويتم تصويره على أنه مظلوم إنسانيًا في دعوة صريحة إلى التضامن الظاهرة وتأييدها بدل معالجتها. إنَّ الترويج للأفكار التي لا تتفق مع ثقافاتنا وأفكارنا الدينية - كالترويج للشذوذ - يُمهِدُ الطَّريقَ لنشرها، وبالتالي محاولة هضمها طوعًا أو كرها، وإذا كان تقبل الأفكار الشاذة كهذه سيكون ممكنا فإنَّ الطَّريقَ إلى تقبل الأفكار الإلحادية - والتي تُعد أفكارًا شاذةً كذلك - ستكون هي الأخرى مُعبَّدةً ومهيأة، وللأسف فإنَّ السينما العربية لم يخب فيها رجاءُ الإلحاد؛ إذ عرضت مؤخَّرًا فيلم (الملحد)، الذي بثَّ مفاهيم إلحاديَّة كثيرة استقرّت في ألباب المشاهدين على

مع

1 - يُراجع: درية شرف الدين السياسة والسينما في مصر، ص (202) وما بعدها.

231