مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي

سابعًا: الإلحاد؛ سمن فارن!

إذا كانت أوروبا قد عاشت قبل نهضتها حالةً حرجةً من الانحطاط والظَّلاميَّة فإنَّ تلك الحالة لم تشمل كُلَّ جوانبها الحياتية، فالجانب الرُّوحي يبدو أنَّه كان على ما يُرام، كما أنَّ بعض المناطق الأوروبية كانت متقدمةً حضاريا بمقاييس عصرها، والحال ذاته ينطبق على العالم العربي قبل انبلاج طلائع النهضة الحديثة فيه؛ مما يعني وجود أوجه تشابه بين الواقعين بالتوازي مع أوجه الاختلاف الكثيرة، وتلك الأوجه المتشابهة إلى حد ما تم توظيفها لتدعيم مواقف النّهضويين مع إغفال أوجه الاختلاف والتَّمايز، وهذا الإغفال هو منبت الخلل ونقطة انطلاق خفافيش الفشل في سماوات العالم العربي، وتمثل ذلك تاريخيا في أمور كثيرة، فعلى سبيل المثال: نجد أنَّ حالة الانحطاط والتَّخلُّف موجودة عند الطرفين قبل ظهور أمارات النهضة، لكن أسبابها مختلفة، فالانحطاط الأوروبي كان مرجعه الأكبر: تسلُّط الكنيسة، وتحكمها بمفاصل الحياة، وامتلاكها لجميع صلاحيات الأمر والنهي، ومحاربتها للعلم والعلماء - في كثير من الأحيان - بينما كان السبب الأكبر للانحطاط في العالم العربي هو: الحروب المستمرة التي أشعلت جذوتها التدخُلاتُ الأجنبية، بجانب النَّعرات الطائفية والقبلية والحزبية. فالاشتراك إذن من جهة الانحطاط قابله الاختلاف من جهة الأسباب. كما نجد أنَّ حركة نقد الكتاب المقدَّس عند النَّصرانية قبل عصر النهضة وقبل ظهور حركة الإصلاح الديني قابلها في العالم العربي ظهور تيار مماثل لها يحمل شعار نقد كتاب الإسلام المقدَّس والتشكيك فيه، وكما ظهرت العقلانية والتنوير وكلُّ ما انبثق عنهما كالعلمانية والاشتراكية ونحوها في أوروبا ظهر كذلك أمثالها في العالم العربي، بيد أنَّ التشابه السطحي في هذه الظواهر لا يعني الانسجام في المقدمات، وإذا كانت العقلانية وما نتج عنها قد ظهرت في أوروبا لأسباب عديدةٍ نراها منطقيَّةً في ظل واقعهم الديني المتشبث بعقيدة تجسد الإله والخطيئة والخلاص والتثليث ونحوها من العقائد الرَّئيسة التي تخالف العقل والمنطق، فقد جلب النهضويون العرب العقلانية الغربية إلى العالم العربي مع أنَّ الإسلام نصير العقل والتفكير ولم يكن قط محاربًا لهما أو مقللا من شأنهما.

233