مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤مناجزة الإلحاد
ولئن ركب الإلحاد في أوروبا موجةَ النّهضة وأصبح رُبَّانها وسفّانها فذلك راجع إلى استمرار نهضتها المادية إلى اليوم - فالإلحاد لم يكن المؤسّسَ الحقيقي للنهضة الأوروبية؛ لكنه نجح في التسلق على أكتافها واعتلاء أسوارها - بينما النّهضة الحديثة في العالم العربي ضُربت في مقتل، فانقطع نسلها وما عاد لها وجود إلا في صفحات التاريخ كومضات ذابلة ليس أكثر! فعلى أيَّ موجةٍ سيركب الإلحاد العربي يا تُرى؟! أيركب على موجةِ التَّأخر الحضاري والتخلف الصناعي والانهيار السياسي؟! لقد انقطعت نظريًّا سُلالات التقليد والتَّغريب بعد فشل النهضة الحديثة واندثارها
وأصبحت النتائج التي تمخضت عن النّهضة الأوروبية تُعامل كمقدمات في العالم العربي ليس غريبا أن يستمر مسلسل العبث في استجلاب النَّتائج الأوروبية وإسقاطها ميدانيا على العالم العربي باعتبارها مقدمات للنهضة المنشودة، فالإلحادُ يُعد من النتائج لا المقدمات، والتَّسلسل المنطقي المقلوبُ يتكرَّرُ مرةً أخرى في العالم العربي بعيد استجلاب الإلحاد إليه، أنَّ المنطق يفرض انقطاع أي وشيجةٍ تربط بين الإلحاد والعالم العربي بحكم انقطاع النهضة الحديثة فيه، والتي كانت - في بعض مساراتها - سفيرة للنوايا الإلحادية!
مع
وإذا كان روادُ النّهضة الأوروبية الأوائل كنيوتن وكوبرنيكوس وجاليليو مؤمنين - بل كانوا رهبانًا وقساوسة - فإنَّ رواد النهضة العربية الأوائل كانوا مؤمنين كذلك، ولم تُرصد موجة الإلحاد - بمعنى إنكار وجود الله - في العالم العربي وبشكل صريح إلا في وقت متأخر عندما صدرت رسالة (لماذا أنا ملحد) لإسماعيل أدهم عام (1937 م)، ولا شكّ أنَّ هذا الفعل - وما أشبهه - نتائج متوقع لكل تلك التراكمات المذكورة آنفا. إنَّ طريقة التعامل مع معطيات النهضة الأوروبية لم تكن مبنيةً على أُسس قويمة، بل كانت مبنية على التقليد، فالبعثات التي قامت بأمرٍ من محمد علي باشا أطلعت العالم العربي على ما يدور في الأوساط الأوروبية من انقلابات واسعة النطاق على الدين والأخلاق، وهذه المطالعة لم تكن للفرجة والمشاهدة عن بعد، بل تحوّلت إلى تطبيقات وممارسات ميدانية، فالإلحاد نفسه ظهر في العالم العربي عقب تلك الأحداث؛ لأنَّ مُمهداته التي ظهرت في أوروبا في مخاض نهضتها وبعد ولادتها - كالعقلانية والمادية والعلمانية والتنوير والوضعيّة - تم استيرادها إلى العالم فتغذى الإلحاد فيه عن طريق مشيمتها بعد أن تتبَّع خُطاها خطوة خطوةً ليسري إليه الداء العياياء والورم السرطاني الخبيث ليكونَ مآله حبيسًا في جُحرٍ ضَتِها!
العربي،
234