مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٤مناجزة الإلحاد
مَا هُوَ الإِلْحَادٌ؟
إنَّ محاولة وضع تعريف جامع مانع لمذهب ما أو اتجاه فكري معين ليست بتلك اللدونة والسُّهولة التي قد يتخيلها بعضنا لأول وهلة، وتزداد فرصة قنص صفة (الجامع المانع) تأتيا ونفورًا عند محاولة وضع حدّ لاتجاه من خصائصِهِ الفاقعة التلونُ الحرباوي المستمر، والانسلاخ الجلدي الدائم. فهو لا يثبت على حال، ولا يستقر على قرار، وهذا ما يمكن لحظه بكل جلاء ووضوح لمن قرأ يومًا فيما يُعرف بـ (الإلحاد)!
ومن أجل ذلك لم يجتمع قول في (ماهيَّة) الإلحاد عدا تعميمات شاردة من هنا ومن هناك ليست بالجامعة ولا المانعة، فكان حاصل الأمر فى بيان (ماهيته) أن استل بعضُ الكتاب فيه مظهرًا من مظاهره وغلبه على ما عداه من المظاهر الأخرى.
هذا هو واقع الحال ونحن نتأهب لتعريف الإلحاد فتعريفه يبتدئ من الجذر الأولي للكلمة - لحد أو ألحد () - ليأخذ بعد ذلك منحى تصاعديًّا مُتشعِبًا، ومنه كانت التعريفات المتداولة لمفهوم الإلحاد متعددةً متباينة مقيَّدةً مطلقة؛ وهذا راجع إلى الزاوية التي ينظر منها كلُّ كاتب إلى هذا المفهوم وما يندرج تحته من أجزاء يراها منضويةً تحت رايته، في حين أنَّ كاتبًا آخر لا يراها بتلك الصُّورة، ولا ينظر إليها من تلك الزَّاوية، مع عدم إغفالنا - إضافةً إلى ما سلف - تداخل المفاهيم والمصطلحات القادمة من الثقافات المختلفة عبر الترجمات والإسقاطات المتباينة.
فنرى إذن؛ أن تختزل (ماهيَّة) الإلحاد وتُحاصر حسَبَ أُطرها الزمنية المختلفة، ثُمَّ تُبحث مظاهرها وتقولب في قوالب متمايزة متزايلة، وما ذاك إلا لأنَّ الإلحاد من زمن إلى آخر قد لا يشترك في الأصل الواحد، فلو افترضنا - مثلا - أنَّ حدَّ الإلحاد هو (إنكار وجود الله)؛ لكان هناك مدخل إلى نقد شمولية هذا الحد لمن درسه بتأنٍ وتؤدة؛ فهذا ما لا يشمل بعض الاتجاهات الإلحادية كـ (اللاأدرية) (2) مثلاً؛ إذ إنَّها لا تُنكر وجود الله، بل تقف بين النفي والإثبات محاولةً
1 - يُراجع: ابن منظور، لسان العرب، (12/ 177).
2 - سيأتي الحديث عنها مُفصَّلًا في مبحث (الإلحاد: طرائق وحزائق).
24