مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
:ثامنا: ثم أصبح الإلحاد
صرعة
روح
بعد أنَّ مرَّ الإلحاد في العالم العربي بجميع تلك المسارات التي طرقنا أبوابها سلفًا - فظهر فيه لأوَّلِ مرةٍ كتاب يدعو إلى الإلحاد الصريح ونعني به كتاب (لماذا أنا ملحد) في عام 1937 م على غرار ما حدث في أوروبا بظهور أوَّل كتاب فيها يدعو إلى الإلحاد الصريح في عام 1770 م) ثم ظهور القصيمي وكتبه الكثيرة التي أفردها لبيان إلحاده وتمرُّدِهِ على الدين والمجتمع - أصبحَ الوضع العربي مهيأ لقبول المزيد من التمرُّدِ والانسلاخ، فقد تمت إذابة الحواجز الأخلاقية والموانع المجتمعيَّة على نارٍ هادئة، وكثير من الشبان يُساقون إلى الإلحاد كما تسوقُ الفراشة نفسها إلى موضع اللهب لتحترق، فقد تعرّض هذا الجيل من الشباب لكثير من الصراعات النَّفسيَّة والفكريَّة، ودخل مُعترَكَ الأفكار وهو غير مُؤهَل، فكان (كساع إلى الهيجا بغير سلاح)، يمر ليل نهار على أدوات التحطيم والتمزيق والتشويه، ويمرُّ ليل نهار على الوقائع التي تُشعره بالدونية والانحطاط والتَّأخر، فيرى صرير الأقلام الظَّلامية التي ما انكفأت عن أن تبثّ اليأس والهزيمة والإبلاس في النفوس قائلةً لهم: كلُّ ما تتغنوا به هراء، وكل تاريخكم وأمجادكم أكاذيب وتلفيقات وخواء، وكلُّ مقدساتكم خرافات وأساطير شوهاء، وأعلام أُمَّتكم برعيلهم الأوَّل وتابعيهم منافقون ودجالون وغوغاء، ليس لكم ما تفخرون به وترتكزون عليه وتركنون إليه، لا شيء يدعوكم إلى البقاء في صف الضُّعفاء الأغبياء، أنتم مقطوعون من شجرة في عالمكم المريض، ما بكم لا تنضمون إلى عالم التَّقدم والنّهضة؟! انضموا إلى عالم النُّور والبهجة، انضموا إلى الإلحاد لتلحقوا بركب التَّقدم!! لم تكن لدعوات الإلحادِ الصَّادمة من أُذن مصغية أو عين مترقبة في بداية الأمر، فابتدأ الحالُ بصيحات التحرر والتغريب والتشكيك واصطناع صراع وهمي زائفٍ بين ثُنائيات مُعيَّنةٍ كالعقل والشَّرع، والتقدم والدين والعلم والإيمان، ولأنَّ النَّاس بطبعها ميالة إلى التحرر فقد لاقت تلك
1 - سبق أن ذكرنا بأنه قد ظهرت لأول مرة عبر التاريخ كتابات في إنكار وجود الله تعالى قبل (1770 م) بسنواتٍ قليلةٍ وهي كتاباتُ الراهب الكاثوليكي جون ميسلير، لكنَّها فيما يبدو لم تكن كتابات معتبرةً ومجموعةً ولم تلق أي صدى يُذكر.
243