مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

مناجزة الإلحاد

دوافع الإلحاد

وبواعثه

(1)

نزعم بأنَّ الإلحاد لا تقف وراءه أسباب، وإنَّما دوافع وبواعتُ ومحفزات، فلفظ (الأسباب) يُوحي بإشارةٍ حقيقيَّةٍ أو مجازيَّةٍ إلى أنَّ الإلحاد نتيجة لها علاقات ومقدمات حتمية ضرورية

مترابطة لا انفكاك عنها، بينما هو في الحقيقة ليس سوى اختيار قَدِمَ إلى الواجهة بذرائع مختلفة، فما من سبب حتمي يدفعه إلى الظهور بشكل تسلسلي طبيعي ومنطقي، وكلُّ (الأسباب) المطروحة هي في حقيقتها حزمةٌ من الدوافع والبواعث، وقد تكون في أحيان كثيرة مجرَّد مبررات ومخارج وحيل، فحبذا لو نصوغ كلمةً أخرى غير كلمة (الأسباب) عند حديثنا عن الإلحاد، وهذا من باب تسمية الأشياء بمسمياتها ووضع الأمور في نصابها، فنحن إذا جئنا إلى مصطلح (الدوافع) لوجدنا بأنَّه مصطلح يتضمَّنُ المحرّكات الداخلية للإنسان والتي تدفعه نحو القيام بفعل محدَّدٍ أو ممارسة اعتقادٍ مُعين، أمَّا إذا جئنا إلى مصطلح (البواعث) لوجدنا بأنَّه مصطلح يتضمَّنُ المحرّكات والمؤثرات الخارجيَّة التي تُغري الإنسان نحو القيام بفعل مُعين أو ممارسة اعتقادٍ مُعين، وما يُميز هذين المصطلحين هو أنَّ أثرهما غير حتمي، فلو تهيَّأ دافع أو باعث منها لدى شريحة من النَّاس فإنَّ هذه التَّهيئة قد تقود بعضهم إلى الإلحادِ دون بعضهم الآخر، مع أنَّ الدافع أو الباعث هو نفسه عند نفسه عند الطرفين (2).

في كلمات مبحثنا هذا نجول معا لاكتناء دوافع الإلحاد، وتنته - ابتداء - إلى أنَّ كل دافع نصصنا عليه أنَّه من الدوافع المؤدية إلى الإلحاد لا يعني تسويفًا للإلحاد أو تبريرا للواقعين في مستنقع أوْحَاله؛ جلُّ ما في الأمر أنَّنا اجتهدنا في بيان هذه الدوافع حتّى نقطع مادتها ونستأصل - بقدر الوسع - شأفتها، فبالوقوف عليها سنتمكن من معرفة خطوط سيرها بدقة، ومن

1 - هذا المبحث مقيد بواقع العالم العربي ومعطياته، أما ما يخص العالم الغربي فقد سبق الحديثُ عنه في المبحث الثالث، كما تنبه إلى ضرورة الاطلاع على المبحث السابق؛ إذ إنَّ المبحث الحالي ما هو إلا امتداد وثيق الصلة به. 2 - قد يدور في الأذهان السُّؤال عن دوافع الاتجاه إلى الإلحاد في العصر الحالي مع أنَّ معظم الدوافع التي سنذكرها ليست بجديدة على العالم العربي، فقد وُجدت فيه قبل ذلك ولم توجّهه إلى الإلحاد؟! ويُمكن اختصار الجواب بقولنا: إنَّ ذلك راجع إلى أن الإلحاد اليوم أصبح فكرة مطروحةً ورائجة تلفّعت بتلافيع العلم والتقدم والتحضر!

254