مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠مناجزة الإلحاد
تجلت في م مصر بعد ثورتها الأخيرة، فتلاشت الآمال التي عُلّقت على الإسلام السياسي العربي، وظنَّ بعضهم بالله الظنون، فاستقر في وعيه وخَلَدِه على إثر تلك الأحداث أنَّ الدين الإسلامي ما عاد يصلح للوقت الحاضر، ولم يعد يُقدّم حلا لمشكلاته، بل ولم يسهم إلا في تأجيجها، بيد أنَّه - على الحقيقة - لا علاقة رئيسة من الأساس بين وجود الإسلام كدين ووجود الإسلام كسياسة اجتهادية يجتهدها بعض المنتمين إلى الدين فينسبونها إليه مما قد لا يوافقون عليه مِنْ قِبَلِ المنتمين إلى الدائرة الإسلامية ذاتها، فالإسلام شيء والاجتهادات المنسوبة إليه شيء آخر، قد نتفق معه وقد نختلف
الفوضى وفُقدان التوازن:
لربما كانت القلاقل والتَّموراتُ التي عادةً ما تصحب كلَّ الثَّورات دافعًا من خلف الستار لبروز الإلحاد إلى الواجهة، فالإلحاد يتغذَّى من حالات الفوضى وانعدام التوازن ويجد فيها مرتعًا خصبًا لنمائه وتكاثره.
والإلحاد العربي - خصيصا - لم يظهر بالشكل اللافت الذي نراه اليوم إلا مع ظهور حالة الفوضى والشغب والتدهور الأمني والاجتماعي بعد الحراكات الثورية الأخيرة في بعض البلدان العربية - خصوصا في مصر - فالانفلات الأمني والسياسي والاجتماعي أوجد مناخًا خصبًا للإلحاد كما يظهر، وليس اتساع رقعة الحريَّات بعد الثَّورات هو الدافع الوحيد لبروز الإلحاد، فالإلحاد كان موجودًا قبل الثورات، بيد أنَّ حالة الفوضى والانفلات الأمني والاجتماعي كان لها يد في بروزه كموجة بدت معالمها بالانبثاث والاندياح.
وليست حالة الفوضى وانعدام التَّوازن مقصورةً على الثورات وتبعاتها، بل أينما وجدت هذه الحالة فإنها تُشكّل دافعًا مغريا للتَّمرُّد على جميع الأصعدة؛ السياسية والاجتماعية والدينية، فالحروب والاقتتالات - وما فيها من تشردٍ وضياع وانسحاق - كلها تزرع حالة الفوضى والاختلال، وهذه الحالة تنخر الفكر وتلوثه وتضعه على محكّ الاختبار والابتلاء، فالفوضى بعمومها ذات حدين، إما أن تنجح في التَّعاطي معها - بالصبر والحكمة - فتدفعك إلى الخير، وإما أن تفشل
معها - بالتمرد والانحلال - فتدفعك إلى الشَّر، فهي على كلّ نوع ابتلاء وامتحان.
260