مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ

مما وجد فيه المتشككون فرصةً لائحةً لتدعيم مواقفهم المتعثرة، فأسهم في دفع البعض إلى التَّمَرُّد الديني، وبعثَ فيهم روحَ التَّشفي والانتقام من كل الوسائط التي تم استغلالها واستخدامها في كبتهم وإلجامهم، وعلى رأسها الدين والإلهُ الَّذِيْن فعلت باسمهما - جهلًا وظلمًا وعدوانًا - الأفاعيل، ولو أنَّهم ترؤوا وعادوا إلى دراسة القضيَّة دراسة محكمة متأنية مستمدة أدلتها واستدلالاتها من ينابيعها الأصيلة لتكشفت عن أعينهم الحُجُب، ولانقشع عن قلوبهم ران الاشتباه، كيف ونحن نجد أنَّ الله لم يجعل لأُولي الأمر طاعةً مستقلة عن طاعته؛ فلا طاعةً لمخلوق في معصية الخالق والظلم والاستبداد والتَّعشف محرمات أشد التحريم أبد الآباد بلا مرية أو أدنى اشتباه، وهذا كله واضح صُراح لا غمغمة فيه لمن تأمل هدايات الوحي بكل تجردٍ وحيادية وإنصاف. هذا وغيره الكثير مما تفيض به روح نصوص الوحي مما يمكن نقاشه

وبسطه في مقامٍ آخر. الثورات العربية:

لقد كسرت الثَّورات العربية مهابةَ السُّلطة السياسية وفدغتْ عنجهيتها وغرورها في تلك

البلدان التي اندلعت فيها، كما نزعت عنها جلابيب القداسة والفخامة التي لازمتها عقودًا طويلة، وهذا هو طبعُ الاستبداد الذي يُخفي وراءَه شخصياتٍ مريضةً ضعيفةً عديمة الثقة بنفسها، فمن أول صدام بينها وبين الشعب الثَّائر اتَّخذت القمع والعنف منهجًا في تعاملها مع المحتجين، ومن أول صدام ثوري سقطت عن عرشها ونجح المحتجون في تحدّيها وكسبوا الرهان، لقد أسقطوا الرموز التي تسلطت تسلطت عليهم وذلت أعناقهم لها خاضعين وفي نشوة هذا الانتصار - مع ما سلف بيانه من استغلال الدين استغلالاً شائنًا من قبل البعض - لربما اغتر بعضُهم وأخذته العزة بالإثم ليتحدى كلَّ الرموز الأخرى كالدين والأخلاق والقيم والعادات جاعلا إياها كلها في سلَّةٍ واحدةٍ وحكم واحد؛ فالتَّحرُّر لا حدود له بعد أن تهاوت أعتى رؤوسُ الاستبداد والتسلط، ونشوة المحروم بالحُريَّة كنشوة الظمآنِ إلى الماء البارد الزلال!

فَشَلُ تجربة الإسلام السياسي: طُرحت بقوة - منذ عقود طويلة - فكرةُ فشل الإسلام السياسي) في العالم العربي، وأنَّ الإسلام السياسي لا محل له من الإعراب، ولا يستطيع أن يُقدّم شيئًا للأمة الإسلامية في الوقت الراهن، وقدمت هذه الفكرةُ على طبق من ذهب في العقود الثلاثة الأخيرة، وتجلت أكثر ما

259