مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢مناجزة الإلحاد
ثانيا: الدوافع والبواعث الدينية
وهي تلك المحركات والمؤثرات التي يبدو - في ظاهرها - أنَّ منبعها الرئيس هو الدين، وأنَّها مُستقاة منه، أو تلك المحركات والمؤثرات التي تتعلق بأستار الدين، ويتم افتعالها باسمه وتحت سُلطانه؛ بغية الالتفاف عليه والانسلاخ منه، ويُمكن ذكرها على النحو الآتي:
الصراع المفتعل بين العلم والدين:
رأينا - سلفًا - كيف أنَّ مواقف رجال الكنيسة وأفاعيلَهم كانت سببًا رئيسًا في الإيهام بتصادم العلم مع الدين، وهذا ليس تبريرا لنفور النَّاس من الإله وتنكرهم له؛ وإِنَّما تقريرًا لحقيقة لا بُدَّ من الانتباه لها، وتوثيقا للحظةِ التَّصادم في أصل نشأتها، فتزمتُ الكنيسة وتحجُرُها وسوء سلوك رجالها نفّر النَّاسَ من الدين؛ ذلك لأنَّ الكنيسة مارست غطرستها وطغيائها باسم الإله والدين، فكان لا بد - والحال هذه - أن يثور النَّاسُ ويُعلنوا الجحود والكفر بإله هذه الكنيسة ودينها، فقد استعبدتهم وفرضت القيود على طريقة تفكيرهم، بل وقيَّدت عقولهم ومنعتها عن البحث إلا من خلال معارفها وتعاليمها، كما انفردت بكشف الحقيقة وتفسير النُّصوص الدينية، فاصطدمت بكثير من الكشوف العلميَّة التي جاءت على خلاف ما قررته في تعاليمها.
لقد جنت الكنيسة على الدين بسبب موقفها من العلم، فقد صوّرت الدين والعلم على أنَّهما عدوان لا يلتقيان أبدًا، فآمن النَّاسُ بالعلم؛ لكثرة ما يوافق عقولهم عن طريقه، وكفروا بدين الكنيسة؛ لكثرة التناقضات التي يحملها وللعداء والصراع مع العلماء ونظرياتهم، وكان لهذا الصراع أثر في
إبراز المذاهب الهدامة، والفلسفات الإلحاديَّة التى تعانى منها أوروبا حتى وقتنا الحاضر). ويجدر بنا التنبيه إلى أنَّ صراع الدين الكنسي مع العِلم ما هو إلا فصل من فصول القصة الطَّويلة الاحقة عبر التاريخ الغربي الممتد، فإلى جانب صراعها مع العلم نجد قضايا أخرى هي الأهمية بمكان؛ حيث كانت مدعاةً لتنفير الغربي من الدين الذي رسمت صورته اختزالا
من
1 - يُنظر: أحمد الغامدي الصراع بين الكنيسة والعلم، ص (333 - 336).
262