مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣١٢

مناجزة الإلحاد

فلسفة

الإلحاد المعاصر

الإلحاد الحديث بشكل عام يتَّكِئ في مسيرته الفكرية على عكاكيز الفلسفة الوضعية (Positivism) التي أسسها الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت، وهذه الفلسفة تختزل الحقيقية في قوالب المعارف التي تستمد من التَّجربة الحسيَّة والمعالجات الرياضية فقط لا غير، وأنَّ كل شيءٍ لا يُمكن رصده حسيًّا أو تجريبيا لا وجود له، ثمَّ شاءت الأقدار أن تتطوّر - لاحقًا - إلى ما عُرِفَ بالفلسفة الوضعية المنطقية (Logical Positivism) والتي حمل شعلتها الفيلسوفُ الإنجليزي السير ألفريد آير، فهو من نفخ الروح فيها بعد موتها في مهدها ومهادها بفيينا، وما لبث أن تراجع عنها بعد ذلك. وكتلخيص وجيز لهذه الفلسفة نقول: إنَّها فلسفة تنطلق في تفسيرها لظواهر الكون من منطلق ماهوي (ما هذا لا منطلق غائي لماذا هذا، أو من منطلق ظاهري سطحي (ما يحدث) لا منطلق غائر قصي (لماذا يحدث)، مؤمنةً بالطَّبيعة وقوانينها الإيمانَ الثَّام المطلق لا شريك معها، فما لا يُمكن فحصه أو إثباته بالطَّريقة التجريبية المباشرة أو غير المباشرة لا وجود له في فهارسها، رافعةً عقيرتها بديباجتها المنمَّقة: (ما لا يُمكن رصده لا وجود له)! مُلقيةً كلَّ القِيَم الوجودية الكبرى والأديان وأي شيءٍ يمت بصلةٍ إلى عالم الغيب (الميتافيزيقا)) وراءها ظهريًا. ويُمكننا أن نقول: إنَّ فلسفة الإلحاد المعاصر - بالإجمال - يُمكن تلمسها فيما بات يُعرف في العقود الأخيرة بالفلسفة (الوضعية المنطقيَّة). فما هي ملامح وجه هذه الفلسفة؟ وما علاقتها بالإلحاد المعاصر؟ وما مستوى تقبلها وانتشارها؟ وما هي التقوضات التي أطلقت في اتجاهها؟ وما المصير الذي آلت إليه؟

1 - كلمة يونانية تعني (ما بعد الطبيعة) أو (علم ما بعد الطبيعة)، وهو الاسم الذي أطلقه أندرونيقوس الرودسي في القرن الأول قبل الميلاد على تراث أرسطو الفلسفي الخاص بدراسة الوجود والمعرفة والإلهيَّات والظواهر الرُّوحيّة والنَّفسيَّة، والذي دعاه أرسطو بـ (الفلسفة الأولى) بعد أن جمعه وجعل موضعه تاليا لموضع كتاب (الطبيعة)، وعلى ذلك فإنَّ عبارة (ما بعد الطبيعة) تعني الكتاب التالي في الترتيب لكتاب (الطبيعة) في مجموع مؤلفات أرسطو الذي نشره أندرونيقوس، ولم تتبلور الميتافيزيقا كمفهوم إلا مع أرسطو، أو كما يسميها بـ (الفلسفة الأولى) بوصفها دراسةً شاملةً لكل ما هو جوهري في الوجود والمعرفة والتفسير، وعدها أهم العلوم وأسماها وأكثرها يقينًا وتجريدًا ونفعًا، فهي علم المبادئ الكلية للوجود، والعِلل الأولية لكل ما هو موجود، والتي لا تبلغها الحواس ولا يستوعبها إلا العقل المتأمل، فلا غنى عنها لكل العلوم (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

312