مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩المبحث الثامن: المستوى الفطري
إمكان البرهنة
على وجود الله
هناك من يظنُّ بأنَّ البرهنة على وجود الله غير ممكنة؛ فلا يكلف نفسه قدح زناد الفكر طلبًا لها، ولا يمتطي صهوة العزم سعيًا إليها؛ متعذرًا بأنَّ الله كما يزعم المؤمنون به غير مادي وغير متناه، وكلُّ ما كان بهذا الحال لا يُمكن البرهنة على وجوده!
من الواضح بأنَّ هذه الدعوى ناتجة عن عدم التفريق بين أمرَينِ اثْنَيْن:
- إدراك الشَّيء والإحاطة به علمًا ومعرفة.
- إمكان معرفة الشَّيء والاستدلال عليه.
فإدراك الله والإحاطة به علما ومعرفةً غير ممكن؛ باعتبار أنَّه غير مادي وغير متناه … أما إمكان معرفته والاستدلال عليه فهو أمر ممكن، وكون الشَّيء غير مادي وغير متناه يلزم منه عدم إمكان الإحاطة به لا عدم معرفته والاستدلال عليه فالأعداد الرياضية - على سبيل المثال - غير متناهية كما يعلم الجميع، لكن لا أحد ينكر معرفتنا لها بالرغم من عدم قدرتنا على الإحاطة بها، وهي كذلك غيرُ ماديَّة، بل مجرد فكرةٍ منطقيَّةٍ فى أذهاننا، لكنَّنا تعرَّفنا عليها أيضًا. إذن؛ عدمُ التَّناهي وعدم الماديَّةِ يلزم منهما عدمُ الإحاطة لا عدم إمكان المعرفة. كذلك يزعم بعض الملاحدة بأنَّ أيَّ برهنةٍ على وجود الله ستبوء بالفشل حتمًا؛ باعتبار أنَّها غير قابلة للحض، أو باعتبار أنَّها (لا تسمح لأي شيءٍ أن يقف ضدها) على حد تعبير أنتوني فلو سابقا. وهنا لنا نسأل: هل التجربة الإمبريقيَّة هي المعيار الذي نحاكم من خلاله المحمولات مهما كان موضوعها مختلفًا؟! الإجابة المنطقيَّة تقول: "القابلية للتَّحقق تشمل الدعاوى الدينية، لكنَّها لا تقتصر على التجربة الإمبريقيَّة؛ لأنَّ التَّجربة الإنسانية أوسع من التجربة الإمبريقية، فالكائنات البشرية لا تُدرك ذاتها فقط من خلال إدراك حسي، وإِنَّما من خلال إدراك لا حسي أيضًا، والدعاوى الثيولوجية تستند إلى تجارب لا حسيَّة. التجربة الإنسانية تُعطي شروطا كافية وضرورية لتحديد مرجع لمصطلح (الله)، وتُعطي شروطًا ضرورية وكافية لتحديد فيما إذا كان
349