مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٥١

المبحث الثامن: المستوى الفطري

البينة

على مَن ادَّعى!

في فترة إلحاده وقبل أن يعود إلى رياض الإيمان كان الفيلسوف الإنجليزي الشهير أنتوني فلو قد أطلق العنان لكتابه فرضيَّة الإلحاد The Presumption Atheism)، ساعتها ولأوَّلِ مرَّةٍ في التاريخ يتم وضع الكرة في ملعب المؤمنين - على حدّ تعبير أنتوني فلو نفسه - بعد أن طالبهم في هذا الكتاب بإثبات وجود الله، باعتبار أنَّ البينة على من ادعى)، إذ جرى العرف سابقًا على أن يكون الملحد هو المطالب بإقامة البراهين على صحة مبادئه، وكان لازما عليه أن يرتاد لها نواحي الاستدلال ويطرق ما أمكنه من أبوابها، فمسؤولية الإثبات ملقاة على عاتقه

دون غيره.

:

ولكن يحقُّ لنا هنا أن نتساءل: هل ما قام به أنتوني فلو - وتابعه عليه الملاحدة من بعده - يستقيم مع المنطق الاستدلالي، ويتناغم مع قواعد الحوار؟ أم أنَّه ادعاء خاطئ من الأساس؟! أنَّ الأمر يستقيم فيما لو تم تقييده وتخصيصه؟! للإجابة عن هذا سنقوم بتفكيك الموضوع

والنظر في تأصيلاته وتقعيداته المنطقيَّة، وذلك عن طريق الاعتماد على طرحين اثنين: الطَّرحُ الأَوَّل: إِنَّ جميع الاستدلالات في الحقيقة تقوم على المعارف العقلية الأولية، وهذا يعني أنَّ هذه المعارفَ يُستدل بها ولا يُستدل عليها؛ لأنَّ الاستدلال عليها يلزم منه الدور المنطقي، وهو ممتنع كما لا يخفى، فبمجرد رؤيتنا لجهاز الحاسوب نعلم بداهة بأن له صانعا، ولا نحتاج إلى أي برهنةٍ على وجود صانع له؛ لأنَّ قانون السببية يعم جميع الحادثات، وهذا بدوره يقودنا إلى الجزم بأنَّ من يُشاهد الحاسوب ويُنكر وجودَ صانع له يكون هو المطالب بالدليل، فهو المدعي في هذه الحالة؛ لأنَّه أنكر قانون السببية!! وأمَّا من يُثبت وجود صانع له فهو لم يأتِ ببدع من القول، بل سار وفق مسارب العقل والبديهة.

وهكذا فيما لو رأينا سيارة لأوَّلِ مرَّةٍ، فإنَّ إثبات وجود صانع لها هو الأصل الفطري الذي

1 - يُقصد به: أن يتوقَّفُ الشَّيء على نفسه أو على أمرٍ آخر، وأنَّ هذا الآخر متوقف عليه، ولبسط المسألة أكثر ومعرفة ضوابطها يُرجع إلى: (يعقوب الباحسين طرق الاستدلال ومقدماتها، ص 55 - 56. ثمَّ إنَّ لنا حديثاً مفصلا عن هذا في قادم المباحث.

351