مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢مناجزة الإلحاد
تحيل إليه العقول مباشرةً، وإنكار وجود الصانع هو محلُّ الدعوى؛ لمخالفته سير العقول، فيكون المنكر هو المطالب بالدليل هنا وليس المُثبت!! ولما كان الكونُ أعظم بمراحل فلكية من كل هذه الأمثلة التي يُمكن التمثيل بها فإنَّ وجود صانع له وواضع لقوانينه هو أجلى الحقائق وأبلج الوقائع على صفحات الوجود. إذن؛ فإنَّ قاعدة البينة على من ادعى تظلُّ على الحالة التي كانت عليها، فمن يستثني شيئًا من المُحدثات ويُنكر أن يكون لها صانع هو (المدَّعي) في الحقيقة وهو المطالب بالبينة وليس العكس، فالكون له صانع حسب البداهة العقليَّةِ المتمثلة في قانون السببية، ومن يُثبت ذلك فهو لا يدعي شيئًا يلزم منه البيِّنة، أما من ينكره فهو (المدعي) الذي تلزمه البيئة. الطَّرحُ الثَّاني: إنَّ من لا يُثبت وجودَ الله ولا ينفيه لا يُعدُّ مُدَّعيًا، فهو من هذا الباب لا يُطالب بالبينة بقدر ما يُطالب بالبحث وعدم التأرجح في قضيَّة مصيريَّةٍ كوجود الله، أما من يؤمن بوجود الله فهو (مُدَّع) - تنزلا وجدلا - لأنَّ وجودَ الله (دعوى) تستدعي البينة، وكذا حال من ينكر وجود الله، فهو في الحقيقة (مُدَّع)؛ لأنَّ عدم وجود الله (دعوى) تستدعي البينة حتما هي الأخرى). أي إِنَّ الطَّرح الثاني هنا يُصبح طرحًا جدليًّا تسليميًّا، لكنَّه فوق ذلك يُلزم الملحد بـ (البينة) بناءً على ادعائه عدم وجود إله، كما أنَّه يُلزِم المؤمنَ بـ (البينة) كذلك بناءً على ادعائه ويتوثق الأمرُ أكثر عندما يُصرُّ الملحد على تقديم أدلَّته في إثبات عدم وجود إله، فإذا كان في استطاعة الملحد أن يُقدم أدلته على عدم وجود الله فإنَّ إنكاره المدعوم: بالأدلة هو (دعوى) ترافقت معها، البينة، وكلُّ ما أمكن تقديم البينة عليه فهو في حكم الدعوى.
وجود إله،
ومن هنا يتضح لنا الفارقُ الجوهري بين دعوى عدم وجود الله ودعوى عدم وجود شيء آخر
1 - يُوجد اعتراض شهير على هذا الطَّرح قدمه برتراند راسل يُعرف بـ (إبريق راسل)، سيأتي لاحقًا تبيان تهافته، وأنه اعتراض ينبغي طرحه في موضع مختلف غير هذا الموضع، وإلا لأصبح اعتراضًا غالطًا يتجاهل المطلوب. ثمَّ إِنَّ طرحنا الأوَّل قد يُواجه بعدة إشكالاتٍ من بينها: أنَّ وجود الصانع (العِلَّة) ليس محلَّ إنكار، فمحل الإنكار هو في تحديده بـ (الخالق). والجواب: هو أنَّ قانون السببيئة يستتليه قانون امتناع التسلسل في العِلل، وهذان القانونان منبثقان أيضًا عن قانون عدم جواز اجتماع النقيضين. وعليه؛ فإِنَّ أيَّ عِلَّةٍ تخترق هذه القوانين التي يُدركها الإنسان بداهة يكون القائل بها مدعيًا تلزمه البينة. 2 - وهنا كذلك يجب التفريق بين (اللاأدريَّة المؤقتة) و (اللاأدرية المزمنة)، فالأولى يطغى عليها جانب البحث دون الحسم، والثانية يطغى عليها جانب الحسم؛ وعليه فإنَّ (اللاأدريَّة المؤقتة) غير مدعية هنا، فيقعُ عبء البينة على المثبت، بينما (اللاأدرية مدعية فت فتلزمها البينة؛ لأنَّ الفرق ظاهر بين المنهج البحثي والمذهب العقدي، فـ (اللاأدرية المؤقتة) منهج بحثي، و (اللاأدرية المزمنة) مذهب عقدي. والجدير بالذكر أنَّ جميع الملاحدة - تقريبًا - ينقلبون إلى اللاأدرية عند الحوار في هذه
المزمنة)
القضيَّة بالتحديد!!
352