مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧

المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟

الدواعي، ثمَّ إِنَّ الإلحاد أصبح موقفًا جماعيا وعالميًا بعد أن كان موقفا فرديا وشخصيًّا، وإنَّ اعتراف كثير من الملحدين بعدم تقيدهم وفق تصنيفاتٍ محدَّدةٍ أو عدم انضوائهم تحت كياناتٍ مُعيَّنة؛ بحجة أنَّ موقفهم فردي وشخصي ليس بشيء يُلتفت إليه، فواقعهم مغاير لاعترافهم. ويبقى من نافلة القول أن نقول: إنَّ ما هو أقل خطرًا من الإلحاد - كما في الهوى المتبع - قيل في وصفه ما هو أعظمُ من مقولَتِنا فى الإلحاد بعدنا إياه دينًا، فقد أخبرنا الحق - عزو جل - أنَّ الهوى إلة لأولئك الصرعى تحت وقع سنابكه وطحن أخفافه، كما في قول الحق تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: (23). أفلا يحق لنا بعد ذلك أن نقول: إنَّ الإلحاد عند أتباعه - دين معتبر، بل وإله مطاع؟! وقد يتساءل الكثيرون: وما أهميَّةُ العِلم بكون الإلحاد دينا؟!

الأهميَّةُ تكمن في أنَّ الدين يسري في فكر الجميع كسريان الدماء في الأوردة، وأنَّ عيش المرء بدون دين يستروح من شذى عبيره ويستريح تحت في ظلاله محال واقعا، فهذا أمر فطري مغروس في القلوب والألباب؛ ولذلك جاء الإلحاد - الذي يفترض منه رفض فكرة الأديان - بفكرته الشَّاملة لتقوم مقام الدين وعليه؛ فإنَّ إدراكنا بأنَّ الإلحاد يقوم مقام الدين - عند سدنته - قمين بلفت النَّظر إلى قضيَّة الإيمان في الإلحاد - والتي لطالما تبنوا إنكارها علميًّا - حيث إنَّ الإلحاد يقوم على الإيمان بإنكار الغيب (الله) أو الاعتراض عليه، أو التشكيك فيه، وهذه الأمور كلُّها عبارة عن إيمان بجزئيَّة غيبيَّة، فتأكيد أو ترجيح عدم الإيمان بوجود الشيء المبرهن عليه عقليًا ومنطقيًا يستلزم الإيمان بنقيضه وهو تأكيد أو ترجيح الإيمان بعدم وجوده. إنَّ هذا كله ممَّا لا يدخل تحت طائلة فكر الملحد القائم - في إثباته أو نفيه بحسب زعمهم - على البرهنة العلمية على أنَّ مبدأ المسبب الأوَّل) موجود في الإلحاد كما هو موجود عند جميع البشر على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم، غير أنَّ الملحد ينزل دَرَكا بإرجاعِهِ السَّبب الأول إلى الطَّبيعة والمادة، بينما يرتفعُ المؤمنُ دَرَجًا بإرجاعِهِ هذا المبدأ إلى الله - جل في علاه - وما ذاك إلا لأنَّ الضَّرورة العقليَّة تقتضي الإيمان بهذا المبدأ في نهاية المطاف!

1 - من باب التسلية الفكرية، نشير إلى أنَّ بعض الملاحدة الغربيين يُنكرون وجود خالق لكوننا، لكنهم لا يُنكرون وجود خالق للأكوان الأخرى!!

37