مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤١٧

المبحث الثامن: المستوى الفطري

أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التَّجربة كما يقول عالم الفيزياء الإنجليزي بول ديراك Paul Dirac)، فالعالم يستطيع أن يُقدِّمَ عددًا من النظريات لتفسير حقائق معروفة أو للتنبؤ بحقائق جديدة، لكن الجمال هو الحَكَمُ والفيصل كما يقول الفيزيائي جورج تومسون (Thomson)، وهذا ألقى بظلاله الوارفة على فلسفة العلم، فأصبح البحثُ عن الجمال قبلة العلماء! وإذا كانت التَّجربة تُخطئ كثيرًا فإنَّ الجمال قلَّما يُخطئ وهناك الكثير من الفرضيات والنظريات العلمية التي خلت من الجمال فجاء استبعادها أو تمَّ غض الطرف عنها، كنظرية الأوتار الفائقة (1)!

قد يقول قائل متسرعًا: إنَّ الجمال عاطفي وغير علمي!! ويُجاب عن مثل هذا بالقول: إنَّ العلماء قد وضعوا ثلاثة عناصر تُحدّد الجمال وترسم ملامحه فالنظرية العلمية لكي تحظى بنعت الجمال يجب أن تكون مقدماتها بسيطةً وميسرة (البساطة)، وتربط بين أشياء كثيرة ومتنوعة (التناسق)، وتكون صلاحيتها التَّطبيقيَّة واسعة النطاق (الوضوح). وهذه المعايير الجمالية تنطبق على الكثير من الأمور، فهي لا تنحصر في الزَّوايا العلمية فحسب، بل تتعداها إلى الفنون المتنوعة أيضًا، كالرسم والنحت والموسيقى، بل إنَّ الكون كله بما يحويه يصدح بالجمال، ويتغنّى بكلماته، ويتهادى طربًا على

أنغامه!

إنَّ اعتناء الإنسان بالجمال واكتراثه له اكترانا جارفًا قديمٌ قِدم تاريخه، وشواهد ذلك كثيرة

جدا، وهي كالآتي)

الأول: يتمثل فيما يُطلعنا عليه بعضُ العلماء؛ إذ اكتشفوا رسومًا في بعض الكهوف التي يعود تاريخها إلى نحو (20) ألف سنة خلت، وهي رسوم لربما أُبدعت وحبكت لأكثر من غاية، ولكن ممَّا لا يُخامره الشَّكُ أَنَّ الغاية الجمالية هي أبرز تلك الغايات؛ ولذا يُعلقُ ألكسندر أليوت على تلك الرسوم في كتابه (آفاق الفن) قائلا: "من الجائز أنها كانت ذات غايات سحرية أو

7 - سيأتي التعريف به لاحقا.

8 - فيزيائي إنجليزي (1856 - 1940 م) اكتشف الإلكترون، فاشتهر بـ (أبي الإلكترون)، حصل على جائزة نوبل للفيزياء في عام (1906 م). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 9 - يُنظر: روبرت أغروس وجورج ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ص (45 - 46). ومن المفيد أن تنبه إلى أنَّ جيمس واتسون وفرانسيس كريك لم يكتشفا الحمض النووي منقوص الأوكسجين، فهذا الكشف راجع إلى عالم الكيمياء الحيوية السويسري فريدريك ميشر، وإنَّما كان كشفهم للبناء الحلزوني المزدوج للحمض النووي.

10 - الحديث الاتي مأخوذ من مقالة (الله يتجلى في الجمال) لمصطفى اليحفوفي مجلة رسالة النجف الإلكترونية، "بتصرُّف شديد“.

417