مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤١٨مناجزة الإلحاد
غايات وثائقية، لا بأس أمَّا غايتها الرئيسة فقد كانت - ولما تزل - إيقاظ الرُّوح وتنوير النفس البشرية، وهذا ينطبق على الفن العظيم في كل زمان ومكان.
الثَّاني: إنَّ الإنسان لم يكتف بهبات الطبيعة وما تُظهره من سحر وملاحة ونضارة، بل تصدى هو نفسه لإبداع الجمال فجرَّد من اللون والصوت والشَّكل والحركة فنونا متنوعةً، كالتصوير والنحت والموسيقى، ممَّا يُعبر عن نزعته الجماليَّة، وينقله من دور المتلقي إلى دور الحاذق المبدع. الثَّالث: شغف الإنسان وسعيه الدؤوب لإضفاء صبغة الجمال على كل جانب من جوانب وجوده، حتّى فيما يتعلق منها بأسباب المعيشة وضرورات الحياة؛ ولذلك عمل على تجميل وسائله، وتزيين أدواته، وتأنيق مظهره، فلم يكتفِ من طعامه بسد الجوع، ولا من لباسه بستر الجسد، ولا من أدواته بما تؤديه من أغراض عمليَّة، بل لونها قاطبةً بألوان من الزينة والزخرفة؛ ليبثَّ فيها روحًا من القسامة والرونق، ويُضفي عليها لمسةً من لمسات الجمال. الرابع: انشغال الإنسان بالأشياء الجميلة يتعدى فترات السَّكينة والأمان إلى الظروف الصعبة والأزمنة العسيرة، يروي عالم الأعصاب والطب النفسي النمساوي فكتور فرانكل عن تجربته الشَّخصيَّة في أحد معسكرات الاعتقال النازية قائلا: "ذات مساء فيما نحن مستلقون للراحة على أرضيَّة السَّقيفة نكاد نموت من الإعياء، وفي أيدينا طاسات الحساء، دخل علينا أحد زملائنا السجناء على عجل، وسألنا أن نهرع إلى ساحة التَّجمع لنشاهد غروب الشمس الرائع. وفيما نحن وقوف خارج السَّقيفة شاهدنا الغيوم المنذرة بالشؤم تتوهج من الناحية الغربية، والسَّماء كلها مُلبَّدة بالغيوم ذات الأشكال والألوان المتغيرة، وكانت سقائف الطين الرمادية الكئيبة تكشف عن فروق صارخة بالمقارنة، في حين كانت بريكات الماء على الأرض الموحلة تعكس صور السَّماء المتوهجة“. فالجمال يستحوذ على أحاسيس الإنسان، حتّى في أحلك الظروف وأكثرها حرمانًا.
الخامس: ارتباط الإنسان بالجمال حتَّى في حالات البله والجنون، وهذا ما عبر عنه ألكسيس كاريل بالقول: "إنَّ الإحساس بالجمال موجود في الإنسان البدائي مثلما هو موجود في أكثر النَّاس تمدُّنا، بل إنَّه يبقى حتَّى عندما ينطفئ نورُ العقل؛ لأنَّ الأبله والمجنون قادران على الإنتاج الفني، فخلق الأشكال أو سلسلة من الأصوات التي تستطيع إيقاظ الإحساس بالجمال ضرورة أولية بطبيعتنا".
418