مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٢مناجزة الإلحاد
حديث شائك
بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وصعب المراس ذاك السَّاربُ في سِجل تاريخ الإلحاد باحثًا ومنقبا؛ فبينَ من ينفي وجود الإلحاد قبل آخر ثلاثة قرونٍ خَلَت ومَن يُثبت وجوده؛ اخترنا الانحياز إلى ركن شديد؛ إنَّه ركن التحقيق المتخندق بالمنطق التاريخي والمتحرّق بالنقد الموضوعي، ونعيدُ التذكير بأنَّ الإلحاد الذي نناجزه - هاهنا - هو الإلحاد منكرُ الوجود الإلهي، أما الإلحاد وفق تصور معيَّن للإله خلا الإنكار فذلك - كما تقدَّم في مبحث ماهيّة الإلحاد - ما لا نتقصد التعرض له ولا نتغيَّاه في رحلتنا هذه لاعتباراتٍ سبق بيانها، و تاريخيا لم يكن الإلحاد في كل إطلالاته
،
- سوى فيما ندر - إنكارًا للمقدَّس ذاته، بل كان دائمًا يُمثّل رفضًا لتصورٍ بعينه للمقدَّس). إنَّ الأصل بحكم السائد عبر التاريخ الإنساني هو الإيمان بوجود الإله، بصرف النظر عن كُنْهِ ذاك الإيمان، وما حالة الإنكار الصَّريحة لوجود الإله إلا خرقًا لهذا الأصل، وشذوذا عن السائد المعروف، وجميع من كتب في تاريخ الأديان يعترف بهذا الأصل الأثيل ويُقر به، فها هو المؤرخ الإغريقي الكبير بلوتارك (Plutarch)) يقول: "لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم تُوجد مدن بلا معابد (3). وبمثله اعترف المؤرخ اللاأدري الشهير ول وايريل ديورانت قائلا: "على أنّ هذه حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأنَّ الدين ظاهرةٌ تعم البشر جميعًا اعتقادًا سليمًا (4). بل ثمَّةَ اتفاق اليوم بين علماء المدارس المختلفة في مجمل البلدان على أنَّ تاريخ البشرية لم يعرف زمنا لم يفكر الإنسان فيه بالإله، لقد كان الإنسان يحس دوما بالإله؛ لأنَّه كان على تواصل دائم مع العالم المحيط؛ أي مع ما خلقه الإله، وأدرك الإنسان دومًا أنَّ أحدًا ما خلقه، ولم يكن بإمكان أحدٍ أن يفعل ذلك سوى الإله (ه).
ص 18.
لاقت اهتمامًا عامًا، تشهد
1 - کارن آرمسترونغ، الله لماذا 2 - بلوتارك أو بلوتارخ: مؤرخ يوناني شهير (45 - 50 م) زار مصر، ورحل إلى روما فألقى فيها عدة دروس) كتاباته التاريخية على نزاهته ومصداقيته الكبيرة. ينظر: جرجيس عبدالله، تاريخ أباطرة وفلاسفة اليونان، ص 7 - 8).
- يوسف القرضاوي، وجود ا
الله
ص 22.
4 - ول ديورانت، قصة الحضارة، (1/ 99).
ه - أ. س. ميغوليفسكي، أسرار الآلهة والديانات، ص 103.
42