مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٣

من

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

وإنَّ ممَّا فات بعض من كتبوا في تاريخ الإلحاد أو تحدَّثوا عنه هو عنه هو أنَّ الحكم بالإلحاد على الأشخاص - عبر التاريخ - لم يكن حكمًا موضوعيًا دقيقًا، بل كان في الغالب الأعم مجرَّد تهمةٍ التهم التي تُوجَّه إلى كل من خالف السَّائد العام فيما يخص أمور الفكر الديني كلّ حسب بيئته وثقافته، فمن أتى بجديد فلسفة اتُّهم بالإلحادِ وكُدم على اسمِهِ بكَدمِ الإلحاد وكأنه قد حكَ قرحة فأدماها! وغياب هذه الموضوعية الدقيقة التي لم يتنبه إليها الكثيرون هو الذي جعلهم يتتبعون الجذر التاريخي لكلمة (الإلحاد)، وحدا بهم أن يجتفوا كل ما في إنائه، مع أنَّ سياقات كتاباتهم كانت مخصصةً للإلحاد الذي يأتي حصرًا بمعنى إنكار وجود الله! إذن؛ لو أخذنا بعين الاعتبار كل ما تقدَّمَ ذكره فإِنَّنا سنقدِم على مراجعة تاريخية لتقصي جذور الإلحاد، ومعاينة بوادره وإرهاصاته، وسوف يكون بحثنا في تاريخيَّته بمثابة الإجابة عن السؤال المطروح: هل يُوجَد إلحاد موضوعي عبر التاريخ قبل ظهور الإلحاد المعاصر في القرون الأخيرة؟! انطلاقا من عصور ما قبل التاريخ، وإنسان العصر الحجري الجديد؛ إذ كانت ثقافة الديانات والأساطير هي المسيطرة عليه ()، مرورًا بسومر المعروفة بالاهتمام البالغ بالجانب الديني (3)، والحضارة المصرية () التي ثار فيها أخناتون وآخرون من قبله ضد تعدد الآلهة قائلين: ليس إلا الله). وحضارات بابل (6)، وآشور (7)، والحال ذاته ظل قائما في الحضارة الفارسية ()، لم نرصد أي إطلالة للإلحاد على هذه الحضارات الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، فلم يكن ثمة إنكار لوجود الله أو تشكيك به نعم؛ كانت هناك محاولات تجديدية وفق تصوراتٍ معيَّنة للإله، كالقول بالتَّعدد أو القول بالتوحيد، وما يتبع ذلك من اختلافات في الطقوس والشعائر والنظرة التَّوصيفية للإله ()، لكننا لم نعثر على بوادر اتهام بالإلحاد، سواء أكان اتهاما موضوعيًا أو غير موضوعي.

1 - وهي العصور التي سبقت ظهور الكتابة، وتمتد - على وجه التقريب لا الدقة - من (500) ألف سنة إلى (3) آلاف سنة قبل الميلاد، وتمثل ما نسبته (99?) من مسيرة حياة الإنسان الواعية. (يُراجع: خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، ص 11). 2 - يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (176/ 1). - يُنظر: المرجع السابق، (2/ 28).

4 - يُنظر: المرجع السابق، (2/ 155 - 167). (ويُراجع لمزيد تفصيل: واليس بدج، الديانة الفرعونية).

ه - يُنظر: سيد كريم، أخناتون، ص 29.

6 - يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (2/ 211).

- يُنظر: المرجع السابق، (282/ 2). ويُنظر: سبتينو موسكاتي الحضارات السَّامية القديمة، ص 73 - 81).

- يُنظر: المرجع السابق، (425/ 2). ولمزيد بحث يُنظر: شارل سنيو بوس، تاريخ حضارات العالم). 9 - للتوسع يُنظر: حسن نعمة، موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشُّعوب القديمة.

43