مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٢٩

يضمن

المبحث الثامن: المستوى الفطري

أمام نظرته المادية، وهو بذلك يضع نفسه بين مخلبَيْن ناشبَيْن؛ إما أن يُنكر الإرادة الحُرَّة؛ لكي صحة نظرته الماديَّة، وإما أن يعترف بها فيطعن في مصداقية نظرته المادية، وفي حال إنكاره لها ستقف أمام ناظريه جملة من المعضلات والمعوصات؛ إذ يترتب على إنكاره لها - ترتبا منطقيا - إنكار الوعي البشري، وإنكار عقاب المجرم على إجرامه، وإنكار إثابة المحسن على إحسانه، بل وإنكار مبدأ الحُريَّة الذي يُناضل الجميع من أجله! ولما كانوا لا ينكرون هذه اللوازم المنطقية فقد بطل بذلك زعمهم بانتفاء الإرادة الحُرَّة، وأما إن أقر الإلحاد بالإرادة الحرة واعترف بها، فإنَّه سيوجه ضربةً قاصمةً إلى نظرته الماديَّة للوجود من حيث لا يشعر؛ إذ إِنَّ النَّظرة المادية لا تعترف بوجود الإرادة الحُرَّة، فهي لا تحيد قيد أنملة عن تفسير الأمور وفق الحتميَّات البيولوجية والنَّشاطات والتفاعلات العصبية الكهروكيميائية، ولا يُوجد في أنساق تفسيراتها المعرفية غير هذا إلا بالخروج عن النظرة المادية، وهذا الخروج سيكلفها ثمنا باهظًا، فهو بمثابة الانخزال عنها والاعتراف بسقوطها!

لقد فشلت الحتميَّةُ البيولوجية علميًّا، كما فشلت معها الحتميَّة التربوية والحتمية النفسية والحتمية الاجتماعيَّة، وعليه؛ فلا مناص من الاعتراف بفِطْريَّة الإرادة الحُرَّة وحقيقة وجودها، وهذا الاعتراف يتصادم طولا وعرضًا مع المبررات والتفسيرات المادية، ولا يتطابق مع ما تعكسه مرآة النظرة المادية، فالإنسان متسام عن المادة، والإرادة الحُرَّة برهان ساطع على وجود الإرادة المتسامية والمتعالية عن المادَّة، وهي فيضُ من إرادة الإله الخالق العظيم.

المحصلة

نخلُصُ - بعد كل ما سبق - إلى المقدمتين الآتيتين:

الإرادة الحُرَّة موجودة حتمًا.

لا بد لوجودها من مصدر مطلق ومتسام عن حتميات المادة.

وعليه؛ فإذا كان

الله غير موجود فإنَّ الإرادة الحُرَّة غير موجودة، لكن الإرادة الحُرَّة موجودة

حقا، إذن، فالله موجود.

429