مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٢٨مناجزة الإلحاد
أما الملحد دانييل دانيت فقد قدَّم نظرةً توافقيَّةً بين الجبرية والاختيار في كتابه (تطور الحُريَّة)، فأخذ العصا من المنتصف، واتّسم طرحه بتبني الجبرية الناعمة التي لا تنفي وجود حرية الاختيار، وهذا ما جعل سام هاريس يشن حملةً نقديَّةً ضدَّ أُطروحته هذه.
هي
أنَّك
أما فرانسيس كريك في كتابه (الفرضيَّة المدهشة) فيقول: "الفرضية المدهشة أنت وبهجتك وجميع أحزانك وذكرياتك وطموحاتك حتى شعورك بذاتك المميزة وإرادتك الحُرَّة لا تعدو في الحقيقة أن تكون كلها عبارة عن شبكة هائلة من الخلايا العصبية المتشابكة
بجزيئاتها المترابطة“!
ما من شكّ بأنَّ النَّظرة المادية المختزلة للوجود والحياة قد أفرزت لنا مثل هذا التصور للإرادة الإنسانية، فالكون بكل ما فيه محكوم بقوانين صارمة لا يستطيع الإنسانُ الإفلات من إحكام قبضتها، فيصبح بلا اختيار وبلا إرادة، وفي هذه النظرة الماديَّة تظهر الإشكالات الخطيرة، فإذا كان الحال كذلك فلماذا نُعاقب المجرمين؟! فهم مجبورون على جرمهم ولا إرادة لهم! ولماذا نكافئ المحسنين؟! فهم مجبورون على إحسانهم ولا إرادة لهم بل لماذا يقوم المؤمنُ بنشر إيمانه، ويقوم الملحد بنشر إلحاده؟! فالمؤمن مجبور والملحد مجبور!
أليس من المضحك أن يُؤلف هؤلاء كُتُبا في نفي الإرادة الحُرَّة؛ ليقنعونا من خلالها بعدم وجود الإرادة الحُرَّة فما قيمة تلك الكُتُب إن كان كاتبها مجبورًا على قول ما فيها، وكان القارئ مجبورًا على قبولها أو رفضها؟!
إِنَّ الرُّؤية الإلحاديَّة مليئة بالثغرات والثقوب القاتلة، ومنشأ ذلك كله هو التنكر لمسألة الوجود الإلهي، إنَّها حالة من العدميَّة التي تتربع على عرش المشهد لحظة محاولة إخراج الرَّب من معادلة الوجود، وقد عبر البروفيسور الملحد ويل بروفاين عن ذلك بقوله: "لا آلهة، لا حياة بعد الموت لا قاعدة حقيقية للأخلاق، لا معنى نهائي للحياة، ولا إرادة حرة للإنسان … يبدأ الأمر بالتخلي عن الإيمان بالله، ثمَّ التَّخلي عن الأمل بوجود حياة بعد الموت، وحين تتخلى عن هاتين الفكرتين فإنَّ بقيَّة الأمور تأتي بطريقة سهلة - نسبيًّا - حيث تفقد الأمل بوجود مبادئ أخلاقية مطلقة، وأخيرًا لا وجود لإرادة إنسانية حُرَّة … ).
(1)
يتبين لنا إذن؛ أنَّ الإلحاد يتبنى النظرة الماديَّة، ومن ثم فإنَّ الإرادة الحُرَّة تقف حجر عثرة
1 - عبدالله العجيري، ص (79 - 84)، "بتصرف وإضافة“.
428