مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٤٧المبحث التاسع: المستوى العقلي
إنَّ من أهم المبادئ المنطقية: التمييز بين الحقيقة اليقينية المطلقة والحقيقة الظَّنيَّة النسبية. فقانون السَّببيَّة حقيقة يقينيَّة مطلقة، وتفسيرات الفيزياء الكميَّة حقيقة ظنيَّةٌ نسبية، فإذا ما رأينا تعارضًا على المستوى الظاهري بين الحقيقتين فإنَّ تغليب الحقيقة اليقينية المطلقة هو الخيار المنطقي الأوحد؛ لأنَّ اليقين لا يترك إلا بيقين مثله.
وفى الحقيقة فإنَّ الاستدلال ببعض تفسيرات الفيزياء الكميَّة على بطلان قانون السببية استدلال يئن من التفكك المنطقي والتناقض الذاتي، فإذا كان هذا الاستدلال صحيحًا من الناحية المنطقية فإنَّ محاولة الاستدلال نفسها تدل على وجود قانون السببية الذي جاء الاستدلال ليبطله
ضريبة إنكار الملحد قانون السببية
لدى الملاحدة قائمة من الاعتقادات وهذه الاعتقادات لا يُمكن الانتصار لها إلا في ظل وجود قانون السببية، ومن ثمَّ يلزمهم - إنَّهم أنكروا قانون السببية - الآتي:
(1) - عدم الاعتماد على التجربة كمصدر للمعرفة؛ لأنَّها قائمة على دعامة قانون السببية، فالعِلم التجريبي يبحث في ربط الظواهر الطبيعية بأسبابها، والمساس بقانون السببية كفيل بإسقاط العلم التجريبي عن عرشه الذي يتربع عليه!
(2) - سيصبح حدوث المعجزات والخوارق - والتي يُنكرها الملاحدة - أمرًا ممكنا ومعتادًا، بل وواردا بكثرةٍ؛ لأنَّ القانون السَّببي المعتاد ليس ضروريا ولا واجبًا).
(3) - سيؤول الاعتقاد الشائع عند الملاحدة بـ (حتميَّة القوانين الطبيعية) إلى الشقوط؛ لأنَّ الحتمية محمولة على أكتاف قانون السببية.
(4) - سيتهاوى اعتقاد الملاحدة في أنَّ الإنسان مجبورٌ ومسيَّر بحتميَّاتٍ بيولوجية ونفسية واجتماعية، لأنَّ هذه الحتميَّات تستند إلى قانون السَّببيَّة، فإنكارُ السببية= إنكار الجبر والتسيير حسب لوازم المنهج الإلحادي في هذه القضيَّة.
1 - طبعا الملاحدة لا يفرقون بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي (الفيزيائي)، فالمعجزات من قبيل المستحيلات العادية (الفيزيائية) لا المستحيلات العقلية؛ ولهذا قيل في تعريفها أنَّها خارقة لـ (العادة) لا العقل. والعلم بنفسه أحدث الخوارق والمعجزات التي كان يُظنُّ بأنَّها مستحيلة الحدوث في العادة!
447