مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٤٩

المبحث التاسع: المستوى العقلي

(ب) - العلل الأربع

حسَبَ التَّقسيم الأرسطي المعروف فإنَّنا لو نظرنا إلى المعلولات فسوف نجدها لا تخلو من أربع عِلل تحكمها: العِلَّة المادية، والعِلَّة الصُّوريَّة، والعِلَّة الفاعلية، والعِلَّة الغائية. ولنأخذ مثالًا يوضح هذه العلل: فالكتاب الذي بين يدي القارئ الآن، له عِلَّةٌ ماديَّةٌ وهي: الورق والحبر. وعِلَّةٌ صورية وهي: الشكل والحجم والملمس. وعلَّةً فاعلية: وهي المؤلّفون ودار النشر. وعِلَّةٌ غائيَّة وهي: القراءة والتعلم والاستفادة …

وما يجب الالتفات إليه جيدًا هنا هو أنَّ العِلم الطَّبيعي يختص بوصف العلل المادية والصوريَّة والفاعليَّة (الطَّبيعيَّة) ولا يكترث لوجود العِلَّة الغائيَّة أو الفاعلية الماورائية، ولا ينظر إليهما إلا بمؤخر عينه! وهذه ثغرةً معرفيَّةٌ لا يُمكن غض الطرف عنها فلسفيًّا وإن أمكن التغاضي عنها تجريبيًّا؛ بحكم الاختلاف بين المنهجين.

(1)

إِنَّ العِلَّة الفاعلة قد تكون فيزيقيَّة أو ميتافيزيقيَّة (عِلَّة معدة أو عِلَّة حقيقية) كما أنَّها محكوم عليها بضرورة انقطاع حلقات تسلسلها القبلية. والعِلَّة الغائيَّة التي لأجلها فعل الفاعل ووجد الحاصل (1) لا يُمكن الاستغناء عنها مطلقًا، وعند هذين المحورين يتباين مسلك المؤمنين ومسلك الملحدين، ويذهب الخُلف بينهم كلَّ، مذهب، فالمؤمنون لا يخزرون زاوية النظر إلى العلة الفاعلة في قوالب المادة فقط، بل يستتلون ذلك بالنظر إلى رحابة الوجود، وهم كذلك لا يُجيزون تسلسل العِلل الفاعلة في الماضي إلى ما لا نهاية، وهذا كله يُجانف مسلك الملحدين الذي يقصرون زاوية النظر إلى العلة الفاعلة في المادة وحدها، ويُبيحون تسلسلها إلى ما لا نهاية. والمؤمنون كذلك استقاموا على عمود رأيهم فيما يخص العِلَّة الغائية، فهم لا يختلقون جفوةً أو هُوَّةً بينها وبين العِلَّة الفاعلة، ويُقرون بضرورة وجودها لا كما يفعل الملحدون الذين يتنكرون لها بطرق ملتوية، بينها وبين الصَّواب مفاوز مهلكة وتنائف مُقفرة.

وإليك مثالًا توضيحيا يُلخص فكرة العِلل الأربع وكيف أنَّها تنتظم في عقدٍ واحدٍ لا ينبغي أن تنفرط منه واحدة، هذا المثال ذكره اللاهوتي الإيرلندي الشهير جون لينكس في أحد كُتُبه

1 - أبو البركات البغدادي، المعتبر في الحكمة، (2/ 10).

???