مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٦٢

مناجزة الإلحاد

(د) - امتناع الدور

الدور نوعان: أحدهما جائز منطقيًّا وهو الدَّورُ الاقتراني ويُسمَّى بـ (الدور المعي)، والثاني ممتنع منطقيًّا وهو الدَّورُ القبلي ويُسمَّى بـ (الدور التَّوقُّفي) أو (الدور التقدمي)، ولما كان حديثنا عن الدور الممتنع - خصيصا - وجَبَ توضيح معناه، فالدَّورُ الممتنِعُ هو أنْ يكونَ الشَّيءُ الأول علَّةً لوجود الشَّيء الثاني، وأن يكون الشَّيء الثَّاني علَّةً لوجود الشَّيء الأول، ويُسمى هذا بـ (الدور المصرح)، أو أن يكون الأول علَّةً للثَّاني، والثاني علَّةً للثالث، والثَّالثُ علَّةً للأول، ويُسمَّى بـ (الدور المُضمَر)، وكلاهما ممتنع عقلا ومنطقا وواقعا.

ولمزيد توضيح؛ نقول: يمتنع أن تكون (أ) هي سبب وجود (ب) في الوقت الذي تكون فيه (ب) هي سبب وجود (أ)؛ لأنَّ هذا الدور يُفضي إلى اجتماع النقيضين وهذا محال، فلا يُمكن للشَّيء أنْ يكون موجودًا ومعدوما في الوقت نفسه، فكونه عِلَّةً لشيءٍ آخر يوجب وجوده قبله، وكون الشَّيء الآخر عِلَّةً لوجود الشَّيء الأوَّل يُوجب وجوده، قبله وهذا محال كما ترى، وفي ذلك يقول صاحب المسلك في أصول الدين: "وأما بطلان الدور؛ فلأنه لو جاز أن يكون الأثرُ عِلَّةً في مؤثره لزم أن يكون عِلَّةً في نفسه، فيلزم أن يكون موجودًا حالما يُفرضُ معدوما، أو مستغنيا حالما يُفرضُ محتاجًا، وكلُّ ذلك باطل).

ويُمكن إيضاح بطلان الدَّور بمثالين واقعيين يفيان بالغرض: (1) - تصوّر أنَّك دخلت إلى إحدى الوزارات للتوقيع على ورقتك العاجلة، وعملية التوقيع هذه كان يجب أن تمر على اثنين من الموظفين، الأوَّل منهما لم يُوقع عليها معلقًا توقيعه على توقيع الموظف الثَّاني، كما علق الثَّاني أيضًا توقيعه على توقيع الموظف الأول! فهل سيكون هنالك توقيع؟! بالطَّبع لا، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما علَّق توقيعه على توقيع الآخر، فلو كان الدَّورُ صحيحًا لما كان هنالك توقيع أبدًا، وإذا حصل التَّوقيع بالفعل فلا بُدَّ إذن من بطلان الدور.

1 - جعفر بن الحسن الحلي المسلك في أصول الدين، ص (52 - 53).

462