مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٦٣المبحث التاسع: المستوى العقلي
(2) - تصوّر وجود دولتين بينهما مناوشات ومهارشات فعلَّقت الأولى الهجوم على هجوم الثانية، بحيث إنَّها لن تبادر بالهجوم إلا إذا بادرت به الثانية أولًا، وطبقت الثانية المبدأ ذاته، فهل سيحدث الهجوم؟! بالطبع لا، إلا إن تم الإخلال بهذا المبدأ من قبل الدولتين أو إحداهما، فلو كان الدَّورُ ممكنا لما كان هنالك هجوم.
ويُمكن - كذلك - تأكيد امتناع هذا النوع من الدور رياضيا، فقد أثبت عالم الرياضيات كورت جودل (Kurt Godel)) في مبرهنته (عدم الاكتمال أن العلاقات السَّببية لا يُمكن إثباتها من داخل النظام نفسه
فلا بد من وجود إسنادٍ خارجي لها، وهذا يُشبه تماما المفارقة التي تُسمى بـ (مفارقة كريت) حيث افترض الفلاسفة اليونانيون قدوم فيلسوف من
کورت جودل جزيرة كريت يزعم بأنَّ كلَّ فلاسفة الجزيرة يكذبون. فإن كان صادقًا في زعمه فهذا يعني أنَّ كلامه كذب؛ لأنَّه فيلسوف من الجزيرة ذاتها، وكلُّ فلاسفتها يكذبون، وهو واحد منهم، وإن كان كاذبًا في زعمه فهذا يعني أنَّ كلامه صدق؛ لأنَّه فيلسوف من الجزيرة ذاتها، وكلُّ فلاسفتها يكذبون، وهو واحد منهم ويوجد لهذه المفارقة أشقاء لا حصر لهم كمفارقة ابن كمونة فيمن دخل الدار فزعم بأنَّ كل ما سيقوله فيها كذب … وكمفارقة الجذر الأصم التي لم يجد التفتازاني ومن كان قبله حلا لها، واعترفوا بأنَّ حلَّها أمر من دونه شيب الغراب ولبن الطَّير (3)! هذا؛ ومن طريف ما يُذكر في امتناع الدور قولُ أحدهم:
بيني وبين مَن أُحِبْ مسألة الدور جَرَتْ
لولا مشيبي ما جفا
لولا جفاه لم أَشب
1 - عالم رياضيات نمساوي (1906 - 1978 م) ورد اسمه في الاستطلاع الذي أجرته مجلَّةُ (التَّايم) ضمن أكثر الشخصيات تأثيرًا في 2 - ملحوظة: حل أمثال هذه المفارقات مطروح في فلسفة الحكمة المتعالية في باب الحمل الذاتي والحمل الشائع الصناعي).
القرن العشرين (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
463