مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٠٣المبحث التاسع: المستوى العقلي
ممكن هو من غيره، إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية فيكون كلُّ واحدٍ من آحاد السلسلة
(1)
ممكنا في ذاته، والجملة متعلقة بها فتكون غير واجبة أيضًا وتجب بغيرها … ).
وبتقرير آخر يُقال: إِنَّ هناك واقعيَّةً ما لا يتطرق إليها الشَّكُ والرَّيب؛ إذ لا يسعنا أن نرتاب في حقيقة وجود واقعيَّةٍ ما إلَّا أن ندخل في متاهات السفسطة الجورجياسيَّة، ثمَّ إِنَّ كلَّ موجود هو مُترجّح الوجود، فلو لم يكن كذلك لكان إما مترجح العدم أو متساوي النسبة بين الوجود والعدم، ولازمه أن يكون ما فُرِضَ موجودًا ليس بموجود، وهذا خلف كونه موجودًا، إذن؛ مع فرض كون الشيء موجودًا فهو مترجح الوجود على العدم. ثمَّ إِنَّ كلَّ ما كان مترجح الوجود فترجُحه إما بذاته أو بغيره، فإن كان بذاته فهو واجب الوجود وهو المطلوب، وإن كان ترجُحه بغيره، فإن كان ذلك (الغير) هو الوجود الأول لزم الدور الباطل، فلا بُدَّ أن يكون غير الأول، وهو إما أن يكون مترجحًا بنفسه فيثبت المطلوب، وإما أن يكون مترجّحًا بغيره فيتسلسل، وحيث إنَّ التَّسلسل في العلل المؤثرة باطل، فلا بُدَّ إذن أن ينتهي إلى المترجّح بنفسه، وهو واجب الوجود بالذات (2).
يبان بأنَّ هنالك احتمالات لسبب وجود الموجودات الممكنة بذاتها، وكلُّها احتمالات باطلة
زهوقة منطقيا، نستحضرها بين يدي القارئ الكريم بشكل مقتضب كالآتي:
- أن تكون هذه الموجودات هي عِلَّة وجودها. وهذا باطل؛ للزومه قبول اجتماع النقيضين،
فيصبح المعدوم موجودًا قبل وجوده - أي في حال عدمه - ليُحدِث نفسه، وهذا محال. - أن تكون هذه الموجودات بلا علَّةٍ أوجدتها. وهذا محال قطعًا؛ لأنَّ فيه ثلبًا وهتكًا صارخًا الحُرمة قانون السببية.
- أن تكون أبعاضُ هذه الموجودات الممكنة عِلَّةً لأبعاضها الممكنة. وهذا محال أيضًا؛ لأنه يعمد إلى الدور المنطقي الممتنع.
- أن تكون هذه الموجودات الممكنة معلولةً إلى ما لا نهاية. وهذا محال كذلك؛ لأنَّه يستند إلى التسلسل في العِلَل المؤثرة، وهو ممتنع وظاهر البطلان.
1 - ابن سينا الإشارات والتنبيهات، (19/ 3 - 22).
2 - يُنظر على اليوتيوب: كمال الحيدري برهان فلسفي على وجود الله: (www.youtube.com/watch?v=rDdGKSv 59 vg).
503