مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٠٧المبحث التاسع: المستوى العقلي
أولا: الاعتراضات على المقدمة الأولى
تنطلق المقدمة الأولى لبرهان الإمكان والوجوب من حقيقة إمكان الكون، فـ (الكونُ ممكن). واعترض على هذه المقدمة بما يلي:
(1) - الاحتجاج بالإمكان والوجوب مصادرة على المطلوب
قد يعترض بعضُ الملاحدة بهذا الاعتراض على المقدمة الأولى من برهان الإمكان، زاعمين بأنَّها تقع في فخ مغالطة المصادرة على المطلوب (Begging The Question) إذ لم يثبت لدينا
وجودُ (الممكن) و (الواجب) حتَّى نبني عليه نتيجةً بُرهانيَّةً!
هذا هو ديدن الملاحدة في كل مرَّة، فهم يعترضون على المفاهيم التي تُقررها النظرة العقلية المنطقية حين لا تصب في صالحهم - كمن يؤامر نفسيه - على الرغم من أنَّ أيَّ نظرة عقليَّةٍ تأملية في الكون ستضعك حتمًا أمام فُوَّهة هذَيْن التَّقسيمين للموجودات؛ لتنطلق منها في بناء تصورك المعرفي ولكن إذا ما زُعم - من باب المراء والسفسطة - بأنَّ النَّظر العقلي لا يُوجب مثل هذَيْن التَّقسيميْن، فإِنَّنا سنلزِم المعترضين بالنتيجة التي ستتمخَّضُ عن الفحص الميداني،
وتتبدى بها شواكل الأمر؛ حتَّى لا يبقى لديهم مفر من الإقرار بحتمية الإمكان والوجوب! لنفترض - مبدئيا - أنَّ تقسيم الموجودات إلى الممكن والواجب هو تقسيم غير مثبت، ومن ثُمَّ فَإِنَّ الاحتكام إليه يُعدُّ من باب (المصادرة على المطلوب). ولنبدأ بالمعنى المباشر للإمكان، وهو احتياج الممكن إلى عِلَّةٍ لوجوده. والمعنى المباشر للوجوب، وهو عدم احتياج الواجب إلى عِلَّةٍ لوجوده. فهل يُوجد في العقل البشري تقسيم ثالث للموجودات غير هذين التقسيمين؟! طبعًا لا يُوجَد؛ لأَنَّ هَذَيْن التَّقسيمين يدوران بين النَّفي والإثبات، وبالتحديد فهما يدوران بين الشَّيء ونقيضه، والأمر الذي يدور بين الشَّيء ونقيضه لا يُوجد له ثالثُ، ويُسمى في المنطق الصُّوري بـ (الوسط الممتنع) أو بـ (الثَّالث المرفوع). والآن؛ اتَّضح لنا أنَّ الموجودات إما أنَّها تحتاج إلى عِلَّةٍ لوجودها، فتدخل في حكم الممكن، وإما أنَّها لا تحتاج إلى عِلَّة، فتدخل في حكم الوجوب، فإن قلت بأنَّها تحتاج إلى علةٍ لوجودها فهذا إقرار منك بأنَّها ممكنة، وإن قلتَ بأنَّها لا تحتاج إلى علةٍ فهذا إقرار منك بأنَّها واجبة، وإن قلت بأنَّ بعضها يحتاج إلى عِلَّةٍ دون بعضها الآخر، فهذا إقرار منك بثبوت حكم الإمكان
O. V