مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٤٨

مناجزة الإلحاد

أولا: الاعتراضات على المقدمة الأولى

تعرضت

المقدمة الأولى لبرهان النَّظم الكونُ مُنظَّم) إلى قائمة من الاعتراضات - هي في الحقيقة تهويشات وتشويهات - وقد سبق الإلماع إليها قبل قليل بالإجمال، وآنَ الآنَ أوان تفصيلها: (1) - النَّظم إسقاط نفسي بشري

يرى بعض الملاحدة أنَّ الاعتراف بوجود النَّظم في الكون هو مجرد إسقاط نفسي بشري؛ بمعنى أنَّ النَّظم في الكون غير موجود على الحقيقة، بل هو موجود فقط في تجاويف رؤوسنا الواهمة!! فالنَّظم - بناءً على هذا الرَّأي - أمر غير موضوعي، وليس له واقع حقيقي، بل هو مجرد وهم اصطنعته عقولنا، وحاكته مُخيلتنا الخصبة؛ فتعثرنا بأذيال مِرْطِه! ويُمكن أن نضرب مثالا يُوضح فحوى هذا الاعتراض: فلو افترضنا أنَّ شخصًا ما شاهد اللوحة الفنيَّة المُطهَّمة المعروفة بـ (العشاء الأخير) للرسام العالمي الشهير ليوناردو دافنشي، فإنَّه سيحكم عليها بالإتقان والإبداع والجمال، لا لأنَّها متقنةٌ ومُبدعة وجميلة في الحقيقة، بل لأنَّ ذلك الشخص يتوهم الإتقان والإبداع والجمال!

ولو افترضنا - كذلك - بأنَّ شخصًا قرأ (ديوان الحماسة) لأبي تمام، ثم قال لنا بأنَّ كاتب الحماسة شاعرُ لا يُشق له غبار، خبير بلغة العرب ماهر بتدبيج اللفظ، عالم بالبيان وصنعة الشعر، فهل سنقول أنَّ ظنَّه هذا مجرد وهم لا حقيقة له؛ إذ لا يحتوي الديوان على شعر جميل متزن جزل، بل كلُّ ما في الأمر مجرد إسقاط بشري! هذا مع لحظنا للفرق الشاسع بين هذه الأمثلة الصَّغيرة، والتي قد تعتمد على الذائقة، وبين الكون الفسيح الذي يعتمد تقرير ما فيه من نظم وضبط وإتقان على الحس والعقل قبل كل شيء!

وكتحليل للأبعاد الفلسفية التي ينبثق عنها هذا الافتراض فلن تجد حرجًا في إلحاقه بالفلسفة الوجودية التي تجعل الإنسان هو المركز الأوحد والمسؤول الأول في الكون، فلولاه لما كان للكون أي معنى يُذكر، ومن ثم فهو الوحيد الذي يحكم بوجود النظم أو عدم وجوده، وكأنَّ النظم أمر غير موضوعي في ذاته كما أنك لن تجد كُلفةً في إلحاق هذا الاعتراض بالمنهج الخيالي السفسطائي الذي يتعامد طولا وعرضًا مع المنهج الواقعي، فالعلم ليس كاشفًا للواقع، بل هو إسقاط بشري؛ مما يعني: الإنكار الصَّريح لوجود العالم الواقعي، أو على الأقل التشكيك في واقعيته، وهذا هو ما يتلاقى ويتمازج فيه الاعتقادان: الإسقاط البشري، والمنهج الخيالي.

548