مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٤٩المبحث التاسع: المستوى العقلي
وبعد أنَّ اتَّضحت لنا الصُّورة العامة لهذا الاعتراض نستتلي ذلك بالتقوضات الآتية: (1) - يُوجد. تفكك منطقي أو تناقض ذاتي في صميم هذا الاعتراض، فإذا كان النظم الذي نشاهده ونتحسّسه مجرد إسقاط نفسي بشري، فإنَّ الحكم عليه بهذا الوصف العاسف هو أيضًا إسقاط بشري!! فليس حكمنا عليه بـ (الإسقاط البشري) أولى بالقبول والاعتبار من حكمنا عليه بـ (واقعية النظم).
(2) - ما الدليل على أنَّ النَّظم المشاهد في الكون هو مجرد إسقاط بشري؟! أليس هذا ادعاءً جسيمًا يستدعي البيئة؟! (3) - لو افترضنا حقًّا بأنَّ النَّظم هو مجرَّد إسقاط بشري، فإِنَّ مِن لازِم ذلك أن نُساوي بين المتفارقين، بمعنى أن تتساوى - في وعينا وإدراكنا وحكمنا - الكومة المتناثرة والمهترئة من القطع المعدنية مع سيارة فارهة من طراز رولز رويس (Rolls Royce) مثلا؛ باعتبار أنَّ القضية مختزلة في الإسقاط البشري! كما أنَّ هذا يعني أنَّك إن أغمضت عينك فإنَّ الشَّمس غير
موجودة، فوجود الشمس يعتمد على الإسقاط البشري، فهي تُوجد بوجوده وتنعدم بعدمه! (4) - توافق البشر على معنى النَّظم - التَّرابط والتَّناسق لتحقيق وظيفة معينة - يدلُّ على أنَّ النَّظم قضيَّةٌ موضوعيَّةٌ وليست إسقاطاً بشريًّا، فلو كان الأمرُ عائدًا إلى الإسقاط البشري بعيدا عن موضوعية النَّظم لما اتَّفق البشر على التفريق بين المنظوم وغير المنظوم، ولأصبحت معادلات الجاذبية وحسابات النسبية وأرقام الثَّوابت الكونية مسرحًا تهتك أذواق البشر وإسقاطاتهم المختلفة أستاره!
(5) - العِلم الحديث أزاح الستار عن الكثير والكثير من علامات النظم التي كُنَّا نجهلها، بل وبادر في تأكيدها وإرساء دعائمها، فلو لم يكن ثمَّةَ نظم واقعي، وكان الأمر مسنودًا إلى خيوط عنكبوت الإسقاط البشري، فإنَّ العِلم الحديث سيكون المتهم الأكبر بهذه الجناية؛ أي الإيهام بوجود النظم! ستيفن هوكينج بدوره يبدي عدم رضاه عن مثل هذا الاعتراض قائلًا: "فإنَّني من أتباع الفلسفة الوضعية، حيث أعتقد أنَّ النَّظريات الفيزيائية هي مجرد نماذج رياضيَّةٍ نضعها، وأنَّ التَّساؤل عمَّا إذا كانت هذه النظريات تتوافق مع الواقع أم لا يُعدُّ بلا معنى فقط إذا تنبأت بالملاحظات (1).
1 - روجر بنروز وآخرون، فيزياء العقل البشري، ص 191.
???