مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٥٠

مناجزة الإلحاد

(1) - إلحاقا بهذا الاعتراض؛ لماذا لا تكون كل أحكامنا هي الأخرى مجرد إسقاطات بشرية؟! فإذا كان النَّظم فى الكون - بالرَّغم من جلائه وإفراعه حسيًّا وعقليًّا وعلميا - هو مجرد إسقاط بشري، فماذا تبقى لنا؟! ما الحال مع أحكامنا الأخرى، والتي تتضاءل ثباتًا وظهورًا أمام قضيتنا بمراحل ضوئيّة؟! أفليس هذا تقعرًا غريبا وتشدُّقًا فجَّا؟!

(7) - العلم الحديث يقوم على فكرة انتظام الكون واتزانه وانضباط قوانينه، فإذا ما شككنا لحظةً في هذه الفكرة الراسخة في العقيدة العلمية - باعتبارها مجرد إسقاط بشري - فإنَّنا بذلك العِلم جملةً، ونتركه محلول العُرى رَهِيكَ، المفاصل، يتأفَّفُ من حرقة الشكوك!

سنُشكك

فالعلم من يوم مولده لا يُحلّق إلا وقلائد انتظام الكون في عنقه. (8) - العلم الحديث أبان عن موجودات لم نكن نُدركها، وأخرى لم نكن لنتصور وجودها، وذلك كله عن طريق الحدس والتنبؤ المسبقَين، فلإيماننا بأنَّ الكون وقوانينه محكومان بسلسلة متينة من حلقات الإحكام والضبط والانتظام أمكن لنا الكشف عن وجوه كانت معماةً عنا ومجهولة، وأمكننا من فتح مغاليق الأبواب الموصدة لنرى ما يختلج في أفنيتها، فكيف يكون النظم مجرَّد إسقاط بشري وهو دليلنا الكاشف ودستورنا العلمي السالف؟!

(9) - التحقق من وجود النَّظم ممكن بالتكرار والإعادة، فمن خلال الحسابات والتقديرات المنتظمة والمتوازنة نستطيع تكرار عمل الأشياء المنتظمة لِنَصِلَ إلى النتيجة ذاتها، فمن الممكن - على سبيل المثال - أن نبني منزلا وفق حساباتٍ ومواصفات محددة، ثم نقوم بتعميم تلك الحسابات والمواصفات على عمليات بناء منازل أخرى لنصل إلى النتيجة نفسها، وهكذا بالنسبة إلى الظواهر الطبيعية المتكررة، فلو كان الأمر حكرًا على الإسقاط البشري لما أنتج لنا التكرار نظما وضبطاً.

(10) - لم يُوجد البشر على الأرض إلا قبل فترة وجيزةٍ ومتأخرة من عُمر الكون، فهل كان الكون غير منظم قبل وجودهم حتَّى يُقال: إنَّه مجرَّد إسقاط بشري؟! لو كان الأمر كذلك لما وجد البشر من الأساس - بحكم انعدام النَّظم الذي يسمح بوجودهم - ولكان وجودهم الحالي نفسه هو مجرد إسقاط بشري! إذن؛ لا يُوجَد أبدًا ما يُبرر الفصل بين الحكم العِلمي والعقلي - القاضي بوجود النَّظم- والعالم الحقيقي الواقعي فالعلاقة بينها علاقة التحام لا انفصال، ومن ثمَّ يكون الحكم العلمي العقلي

550