مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٨

مناجزة الإلحاد

سيمونيديس

هيبارخوس

إكسانوفان

من هذا أنَّ هيرودوت كان يُؤمن بالله؛ أي إنَّ عقيدته كانت توحيديَّةً تن العداء للتَّعدديَّة والوثنية وكذلك الفيلسوف سيمونيديس (Simonides)(1) الذي وضعه بعض الباحثين في قوائم اللاأدريين؛ لأنَّه كان إذا سُئِل عن طبيعة الآلهة يقول: "لا أستطيع القطع بوجودها من عدمه (2). لكنَّ هذا الجواب الذي قد يُوحي بـ (لا أدرية صريحة يتحطَّم أمام طوفان اعتقاده بوجود قوة عُظمى مجهولة الهوية تتحكّم في مقدرات البشر؛ أي إنَّ (لا أدريَّة) سيمونيديس تتعلق بالقدرة على معرفة طبيعة الإله والإحاطة بها، فهو لا ينكر وجود القوَّة العظمى (الله)، وبهذا تسقط دعوى (لاأدريته). والحال ذاته ينطبق على هيبارخوس (Hipparch)(3)، فقد أعطى تصورا للجحيم يُخالف التَّصوَّر الموروث، فقال: لا يُوجد في الجحيم إلا من سب الآلهة وأساء إليها. فكان قوله هذا سببًا في اتهامه بالإلحاد! فلم يكن إلحاده إذن إنكارًا للوجود الإلهي بل على العكس. وكذا إكسانوفان Xenophon) (4) الذي ثار ضدَّ تعدُّد الآلهة اليونانية، وسخر من صُوَر الآلهة وكان من رأيه أنَّ كلَّ شخص يرسم الآلهة كما يُحب أن تكون، فالآدميون يتصورون أنَّ الآلهة يولدون ويلبسون الثياب، وأنَّ لهم أصواتا وصورًا كأصوات الآدميين وصورهم ولو كان للثيران والآساد أيادٍ مثلنا وكان

في وسعها أن ترسم وتصنع صورًا كما يفعل البشر؛ لرسمت لآلهتها صورًا تشبهها. لكن إكسانوفان ينوه بوجود إله واحدٍ يعلو على الآلهة والبشر، ولا يُشبه أحدًا، ومما سلف ينحسر لثامُ الشَّك عن حقيقة إيمان إكسانوفان بعقيدة التوحيد والإله الواحد، ويتضح سبب اتهامه بالإلحاد عائد إلى رفضه للتَّعدُّدِ والآلهة الوثنية المصطنعة (ه). وإكسنوفانيس

أن

1 - شاعر وأديب إغريقي (556) - 468 ق. م) يُعدُّ إلى جانب بندارس أهم شعراء عصره.

2 - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 134.

3 - هيبارخوس النيقي (190 - 120 ق. م) واحد من أعظم الفلكيين الإغريق، لقب بـ (حبيب الحقيقة)، ظلت النتائج الفلكية التي توصل إليها فاعلةً لمدة تربو على السَّبعة عشر قرنًا. يُنظر: ول ديورانت، قصة الحضارة، 8/ 150).

4 - فيلسوف ومؤرخ يوناني (430 - 354 ق. م) واحد من تلامذة سقراط، من أبرز أعماله: (الأناباسيس)، و (الكيروبيديا)، و (الهيلينيكا).

ه - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص (135)، وبير دوكاسية الفلسفات الكبرى، ص (30).

58