مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٧المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
أورفيوس
فهي غير موجودة، ولكنَّه في الوقت ذاته دعا إلى عبادتها! وقد ذكر أفلاطون أنَّ لبروتاجوراس رأيًا خاصا يختلف عما كان يُعلنه للجمهور! ومما يُلحظ أيضًا أنَّ بروتاجوراس علَّل تعليقه وامتناعه بصعوبة المسألة من جهة، وبقصر العمر من جهةٍ أخرى (2). ويرى بعض الباحثين أنَّ ما يُنقل عن بروتاجوراس إن صح فهو يعني إيضاح فكرة عدم قدرة البشر على إدراك الآلهة والإحاطة بها؛ لأنَّهم قاصرون عن هذه المعرفة (3). ثمَّ إِنَّ السفسطائيين عمومًا - وبروتاجوراس واحد منهم - كانوا يُعلمون النَّاس فنَّ النَّقاش والجَدَل، ولا علاقة لهم بتعليم أمور الدين والفضيلة، ويبدو أنَّ بروتاجوراس أقرب ما يكون إلى (اللاأدرية) منه إلى الإلحادِ الصَّريح، ولا يُستبعد أن تكون (لا أدريته) علنيَّة، وإيمانه غير علني كما أوحى بذلك كلام أفلاطون السابق عنه، بل إنَّ هذا الرَّأي الأخير هو الأقوى احتمالا؛ فأفلاطون أدرى بحال بروتاجوراس أكثر من غيره. وأما اتهام أورفيوس (Orpheus)(5) بالإلحاد فله طابع آخر؛ فإنَّ السبب الأكبر في اتهامه راجع إلى تمرده على الفكر الديني السائد، فقد كان الفكر الديني السَّائد مُنجرًا نحو الإيمان بتعدد الآلهة؛ فجاء أورفيوس بعقيدة توحيديَّةٍ تدعو إلى إله واحد هو خالق الكون وموجده، وكان من رأيه أنَّ الماء هو المبدأ الذي خرجت منه كل الكائنات (6)؛ لذا لم يكن إلصاق تهمة الإلحاد بأورفيوس بسبب إنكاره وجود الله، بل بسبب توحيده، فقد كان التَّوحيد جُرما وجُنحة وإلحادًا في المجتمعات الوثنية. ثم جاء هيرودوت (Herodotus) الذي اتهم بالإلحاد أيضًا؛ لأنَّه كان يُؤمن بوجود قوَّةٍ كامنة أعلى من كل الآلهة الوثنية، وهي التي تتحكم في مصاير البشر جميعا، ويتّضح
1 - يُنظر: رمسيس عوض الإلحاد في الغرب، ص 12.
2 - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 64.
- يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 135.
4 - يُنظر: برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية، (1/ 145).
هيرودوت
ه - فيلسوف ذو شخصيَّةٍ غامضة تستوقف النظر، شكك بعضهم في وجوده، ورفعه بعضهم إلى مقام الألوهية. (ينظر: برتراند راسل،
تاريخ الفلسفة الغربية، 1/ 48).
6 - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 132.
7 - هيرودوت أو هيرودوتس، مؤرج إغريقي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (484 - 425 ق. م) يلقب بـ (أبي التاريخ). والقارئ العربي مدين لهذا الرجل؛ إذ إنَّه وثق تاريخ العرب في تلك الحقبة. (تنظر ترجمته: عبدالإله الملاح، تاريخ هيرودوت، ص 8 - 18). - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 134.
OV