مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٩٠مناجزة الإلحاد
نرى أنَّ الإنسان إذا أراد أن يتعلَّم صنعة الكتابة أو ضرب الطَّنْبُور أو صنعةً أخرى فإنَّه في أوَّل الأمر يحتاج إلى أن يستحضر في ذهنه صورة حرف حرف، وصورة نقرة نقرة، ومتى كان
يصير
الإنسان باقيًا في هذه الدرجة فإنَّه يكون مقصرًا في تلك الصناعة، ثمَّ إذا واظب - أي الجاهل - على تلك الحرفة مدَّةً مديدة، وتمرّن فيها حصلت له حالةٌ عجيبةٌ تُسمى بـ (المَلَكَة)، بأن بحيث يكتب على أحسن الوجوه من غير أن يحتاج إلى استحضار حرف في الخيال، فهاهنا: الفعل المحكم المتقن الواقع على أكمل الوجوه حاصل مع أنَّ العلم بتلك التفاصيل والأحوال
غير حاصل، فثبت بهذا أنَّ صنعة الفعل المحكم المتقن لا تتوقف على كون فاعله عالما“. والملحوظ هنا هو أنَّ هذه الأدلة تنحصر في زاوية ضيقة وهي: إمكان صدور الفعل المتقن المحكم من فاعل قادرٍ غير عالِم. لكنَّها تُثبت في الوقت نفسه - كما ساقها القائلون بها - أنَّ الفعل نفسه صادر من فاعل قادر مختار وهذا يعني بقاء القاعدة العقلية (لكل نظم منظم) راسخةً كما كانت دون أي مساس بها. الحقيبة لا تتسع لكل الاعتراضات!
متناكرةً
لو استرسلنا في النظر إلى الاعتراضات التي تقدم ذكرها فلن نجد مشقةً في تقرير أنَّها اعتراضات لا يُمكن - بحال من الأحوال - أن يتفوه بها جمعاء شخص واحد، فهي متنافرة اللحمة، و يَجَأُ بعضها في صدر بعض فمثلًا: إذا كنت تعتقد بوجود النظم في الكون وتعترف بذلك، فلا يُمكنك - ساعتها - أن تجمع معه الاعتقاد أو الاعتراف بأنَّ النَّظم مجرد إسقاط نفسي! فمَن يتبنى فرضيَّة الإسقاط لا يسعه أن يتبنى فرضيَّة وجود النظم على الحقيقة، فهذا جمع بين المتقابلين.
وإذا كنت تعتقد بأنَّ الكونَ منظَّم حقًّا فلا يُمكنك - في الوقت ذاته - التمسح بالاعتراض القائل: "إِنَّنا نحتاج إلى كون مقارن لنحكم بوجود النظم في كوننا“. يجب أن تضرب بأطناب رأيك على مستقر واحد! فإما أن تتبنى القول الأوَّل، وإما أن تتبنى القول الثاني، ولا يحق لك منطقيا أن تجمع بين هذين النقيضين في سلة واحدة!
وإذا كنت تعتقد بعدم وجود النَّظم في الكون، فلا يمكنك أن تجتر وراءك أذيال الاعتراضات الأخرى التي تعترف بوجود النظم، وذلك كالاعتراض بـ (ضآلة الضبط مقارنةً برحابة الكون)، أو
590