مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٨٩المبحث التاسع: المستوى العقلي
التخطيط السليم والإعداد المحكم والتنفيذ المتقن، ولكن ليس بعد ذلك بلا شك؛ فصنع السَّفينة أمر لا يقوى عليه الحمقى! ثُمَّ إِنَّ السَّفينة - وكفارق جوهري شاسع - شيء يُمكن تقليده، فهل الكون يُمكن تقليده؟!
وبناءً على التفريع العريض الذي افتتحناه أعلاه، فإنَّ اعتراض ديفيد هيوم السابق ليس جديدًا على الساحة، فقد وجدنا الإمام الفخر الرازي يُورد قبله بقرون الاعتراض ذاته، بل يورده بشيء من التفصيل والدقة، وذلك في معرض سرده لأدلة القائلين بإمكان صدور الفعل المحكم والمتقن من الجاهل؛ حيث أوردها على النحو الآتي: "السؤال الثالث: نزلنا عن البحث عن تفسير الإحكام والإتقان فلم قلتم: إنَّ كلَّ من كان فعله محكمًا متقنا فإنَّه يجب أن يكون عالمًا؟ والذي يدلُّ على أنَّ الأمر ليس كذلك وجوه: الأوَّل: لا نزاع أنَّ الجاهل بالصفة قد صَدَرَ عنه الفعلُ المحكم المتقن على سبيل الإتقان مرَّةً واحدة، فالعاجز عن نظم الشعر قد ينطق على سبيل الإتقان بمصراع من الشعر، والجاهل بالخط قد يكتب حرفًا واحدًا على الإحكام والإتقان بالاتفاق والندرة، وإذا ثبت هذا فنقول: قد ثبت في العلوم العقلية أنَّ حُكم الشَّيء حكم مثله، فلما ثبت أنَّ العمل القليل قد يُوجد من الجاهل وَجَبَ أن يكون حكم أمثاله وأشباهه كذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ صدور الفعل المحكم المتقن من الجاهل جائز. الثَّاني: تشاهد أنَّ النَّحل يبني البيوت المسدَّسة من غير مسطرة ولا فرجار على أحسن الوجوه، بل العقلاء الحصفاء الكاملون لو أرادوا بناء البيوت المسدَّسة من الشمع مثل ما يبني النَّحل يعجزون عنه، والعنكبوت - أيضًا - إذا أرادت إصلاح بيتها فإنَّها تأتي بأعمال عجيبة في ذلك البناء، والنملة إذا خبَّأت في جحرها حبات الحنطة فإنَّها تفلق كلَّ حَبَّةٍ إلى نصفين؛ لأجل أنَّه إذا أصابتها الرطوبة فإنَّها لا تنبت، وعجائب أفعال الحيوانات مذكورة في الكتب، فهذه أفعال محكمة متقنة، فإنْ دلَّ الفعل المحكم المتقن على عِلم الفاعل وَجَبَ القول بأنَّها أكثر عِلمًا من الإنسان؛ لأنَّ ما في هذه الأنواع من الأفعال من وجوه الإحكام والإتقان أكثر مما في أفعال النَّاس، وذلك بعيد جدًّا.
ويواصل الفخر الرازي حسر لثام الشبهات وإجلاء ظلمات الشكوك بعرض المزيد من الأدلة، فيذكر دليلًا يتشابه في مضمونه مع ما ذكره ديفيد هيوم - في مثال السفينة والنجار الأحمق - إذ يقول الرازي:
589