مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٦٥٣

المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية

الزفرات الأخيرة لمشكلة الشر

إنَّ مشكلة الشَّر تُفسح المجال لطرح مشكلة الخير، فلئن كان في الشر حجة للملحد على

بيد

نفي وجود الله فإنَّه بذلك يعترف ضمنًا بأنَّ في الخير حجَّةً للمؤمن على إثبات وجود الله أنَّ الخير هو الأصل وهو القاعدة، وما الشَّر إلا شذوذ وحدوث طارئ على الخير العميم، ولكي

لا يخرج الملحد من حواره حول مشكلة الشَّر إلا وقد استفرغ كل ما في ذهنه من اعتراضات وإشكالات؛ تراه يتساءل - كمحاولاتٍ أخيرة - لماذا لم يجعل الله عالمنا مثاليا بلا شر؟! وهل يستطيع الله أن يجعل العالم مثاليًّا؟! وكيف يخلق الإله الكامل عالمًا غير كامل؟! وإذا كان الله يعلم بأنَّ وجود الشَّر من اللوازم المنطقية لخلق العالم؛ فلماذا خلقه إذن؟!

تقتضي

والإجابة عن هذا يُمكن أن يستلهمها القارئ الكريم مما سبق، وكإضافة عليها؛ فإنَّ المثالية أن يكون العالم مخلوقا لتحقيق ما خُلق له من الحِكم، فهل كانت الحكمة من خلقه هي التنعيم المحض؟! ثُمَّ إنَّ العالم المثالي الذي يُطالب به الملحد موجود، أليست الجنَّة عالما مثاليا؟! بل وقبل ذلك أليس العالم العلوي - كما يعتقد المؤمنون - عالمًا مثاليا لا شرَّ فيه؟! أمَّا عن التساؤل الثَّالث فإنَّه لا تلازم بين كمال الله وكمال مخلوقاته والكمال لا يُقاس بمقياس أُحادي، بل يُنظر فيه إلى تحقيق الغايات أيضًا، وإلى الإرادة والمشيئة والتصرف … إلخ. أمَّا عن التساؤل الأخير فإنَّه لما كان وجود الخير هو الغالب على وجود الشَّر في العالم؛ فهل عدم خَلْقِ العالم - الذي يغلب فيه الخير - بسبب وجود القليل من الشّر الملازم لذلك؛ هل عدم خَلْقِ مثل هذا العالَم هو خيرٌ أم شرٌّ؟ لا شكَّ بأنَّ ترك الخير العميم بسبب حفنة من الشّر العَرَضي هو وقوع في الشَّر أيضًا!! فكيف نحاول الهرب من لوازم الشر لنقع في لوازم شرّ آخر أشد من الأول!!

وأخيرًا؛ ماذا لو سألنا أنفسنا: هل القدرة على الشُّعور والإحساس خير أو شر؟! إِنَّ القدرة على الشُّعور والإحساس كمال ثانوي بالنسبة إلينا، وفقد هذه القدرة نقص وافتقار، وعليه؛ فإنَّ القدرة على الشُّعور والإحساس بالخير والشَّر هي في نفسها كمال وخير، وعدم القدرة على ذلك هي في نفسها نقص وشر؛ باعتبار أنَّ عدم الكمال في أمر من شأنه الاتصاف بالكمال هو شر.

653