مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٦٧٢مناجزة الإلحاد
كَشَّاف
m
التناقضات الإلحادية
إنَّ من يُسرف ويُوغل في إيرادِ الاعتراضات وتسطيرها لأجل الاعتراض فقط، أو لأجل مضاعفة أعداده، يقع - دون أن يتنبه - في تناقضاتٍ منطقيَّة فاضحة، وقد تتجلى هذه التناقضات عند التدقيق في الموقف الواحد نفسه، كما أنها قد تتكشف عند المقارنة بين موقفين مزدوجين يُناقضُ أحدهما الآخر، فيتربَّعُ على ساحة الاستدلالات مشهدُ الكيل بمكيالين، والازدواجية في التقعيدات؛ انطلاقًا من المقدمات ووصولًا إلى النتائج، وهذا ما يُمارسه الإلحاد بكل حرفية وتفنن في مواقفة المعلنة والمُضمَرة، فجولة تفقديَّةٌ فاحصةً في تنظيراته (مواقف + اعتراضات + نتائج) تفصِحُ لنا وتَبْدَحُ بمكنون التناقضات ومدى تغلغلها في أعماق أطروحاته، وقد اخترنا عدَّةَ نماذج لأمثال هذه التناقضات نُوردها على النحو الآتي: موقفهم من النظم من بين شناشن الاعتراضات التي وجهها الملاحدة إلى برهان النظم يطفح واحد منها - وهو من أشهرها على الإطلاق - بالازدواجية الفاضحة، بل هو - عند الإمعان فيه - اعتراض خرج من بين شفتي التناقض فقد اعترض الملاحدة على برهان النَّظم بالقول: إِنَّ النَّظم المشاهد في الكون عائد إلى القوانين الطبيعية التي تتحكّم بكل مفاصله، فهذه القوانين الناجزةُ هي المسؤولة عن وجود جميع مظاهر الضبط والنظم، ومن ثُمَّ فلا تُوجَد حاجةٌ إلى افتراض وجود الله، فالقوانين لوحدها كفيلة بتقويض دعائم هذا الافتراض الذي يرمينا في رمال الميتافيزيقا المتحركة لتُصبح المعادلة الإلحادية هنا: وجود النظم عدم وجود وفي المقابل فإنَّ الملاحدة يحتجون بوجود ما يعتبرونه - وفق منظورهم الخاص - عبثًا ولغوا وهذاءً يضيقُ به الكون، وما يصفونه - وفق رؤيتهم - بالهفواتِ والسَّقطات والأخطاء التصميمية في المخلوقات، ويُحيلون كلَّ هذا العبث وكلَّ هذه الهفوات والسقطات إلى عاملي: الصدفة والعشوائية (اللانظم). وكذلك يفعلون عند النَّظر إلى حجم الكون وسعته وغُمار أجرامه ومجراته، وهم بذلك يُحاولون إيصال رسالةٍ مُفادها: إنَّ علامات (اللانظم) مبثوثة ومنثورة في فسيح آفاق الكون. لتُصبح المعادلة الإلحادية هنا: عدم النظم= عدم وجود الله.
الله.
672