اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ١١

قوّة اللّغة العربيّة ومكانتها

يقوا صالح الخرفي: " … فاللّغة العربيّة قوام الشّخصيّة في الوطن العربي عموديًّا، وبعدها أفقيًّا في الشّعوب الإسلاميّة، التي تربطنا بها رابطة الدّين، فإذا تعزّز الشّعورُ الدّيني بالأداة المعبّرة عنه تعانقت العروبة والإسلامُ في أروع مظاهرهما وأكمل صورهما وأوسع آفاقهما؛ لما فيه خير البشريّة جمعاء."(1)

اللّغة العربيّة هي المقوّم الأساس في تكوين شخصيّة الفرد المسلم، هي السنّاد الذي يسند كيان الأمّة، هي الرّمز الذي يبرز حقيقة الفرد العربي، هي الوعاء الذي يختزن الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، هي الأداة التي تعمل وتحمل ابن هذه اللّغة على الإبداع وإنتاج المعرفة … إلى جانب كونها العنصر الذي يوحّد المسلمين بمختلف أوطانهم وجنسيّاتهم.

إنّ اللّغة العربيّة هي الحياة العربيّة الإسلاميّة، والوجود العربي والإسلامي، ففيها تُقْرَأُ هذه الحياة، وهذا الوجود في كلّ جوانبهما: الفكريّة والفنّية والاجتماعيّة والنّفسيّة … التأمّل والبحث فيها يقدّم الوجه الحقيقي لهما. ينتج عن هذا أنّ طريقة التّعامل معها، وصلة أهلها بها هما اللّذان يعطيان القيمة الصّحيحة لها. ويقدّمان الدّليل المحسوس أو الواقعي لما يمكن أن تفرزه من نتائج حسنة أو سيّئة، وما تمنحه من قوّة أو ضعف، تضعها في خانة معيّنة، ينظر إليها النّاس من خلالها. يقول الدّكتور محمد سويسي: " إنّ اللّغة العربيّة هي مستودع الثّقافة العربيّة، وهي صلة الأمّة بالأجيال السّابقة، وصلتهم بعضهم ببعض في الحاضر، وصلتهم بالأجيال القادمة … "(2)

للأسف الشّديد إن هذه اللّغة لم تعد تحمل تلك القيمة، ولم تصبح لها تلك المكانة، ولم يعد أبناؤها يحتفون بها، أو يقيمون لها وزنًا. فهي في أرضها غريبة، وبين أهلها مهينة، ومن القائمين عليها مهمّشة، ومن أقامها وضعها على أرض هشّة. هل ينطبق على الفرد العربي في البلدان العربيّة اليوم – أيضًا - قول المتنبّي:

ولكنَّ الفتى العربي فيها … غريب الوجه واليد واللّسان

إنّها لم تعد تجد من بنيها اهتمامًا ولا تقديرًا. بل هم يصمُونَها بالعقم، ويصفونَها بالتّخلّف، وَيَسِمُونَها بالغريبة عن زمانها، وغير المنسجمة مع العصر. وتَبِعَ ذلك ازدراءُ غيرهم لها، وتزهيدُ أبنائها فيها، وإقصاؤُها من المحافل العامّة، والمنتديات العالميّة. يقول الدّكتور شكري فيصل: " اللّغة العربيّة إذن ليست في وضع أمنِيٍّ سليم، يساعدها على التّطوّر الحقيقي في ملاحقة الحضارة واحتوائها. إنّها في حالة حربٍ. الدّفاعُ عن الذّات يشغلها: دفاعها أمام الغزاة من الخارج، وأمام الضّعفاء من الدّاخل. وهي حالة من حالات الاستنزاف، يجب أن تتجاوزها؛ حتّى تلتقي قدراتنا اللّغويَّة كاملة على العمل لنصرة العربيّة، بعيدًا عن كلّ جدلٍ نظري، أو نقاش لا مردود له، بعد أن استقرّ في الذّهن اللّغوي البشري أنّ لغة الشّعوب ذاتها هي أقصر الطّرق إلى تقبّل المعرفة والعلم والحضارة."(3)

إنّ اللّغة العربيّة هي أحد مظاهر السّيادة الثّقافيّة، الاعتزاز والتّحصّنُ بها، يحفظ الشّخصيّة، ويدفع إلى الإبداع والابتكار، واكتساب المعرفة وبناء الحضارة. لذا يجب أن تنأى عن المشاكل التي تعيقها عن امتلاك هذه المميّزات.

(1) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 22.

(2) - المصدر السّابق، ص: 154.

(3) - المصدر السّابق، ص: 33.

١٠ / ٩١