اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ١٣

المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة

هي كثيرة نشير إلى بعضها، على سبيل التّمثيل، بغيةَ التّحسيس والتّذكير بالواجب نحو هذه اللّغة.(1) هذه المشاكل، أو المعاناة - إذا استمرّت تتضاعف وتقوى - تعرّض العربيّة للخطر، وبعدها تصاب الأمّة الإسلاميّة في الصّميم.(2) من هذه المشاكل:

1 – اتّهام اللّغة العربيّة بالعجز عن الإبداع ومواكبة العصر

هذه الفرية وهذه التّهمة تعدّ أخطر دعوى ترفع ضدّ اللّغة العربيّة؛ بغية النّيل منها أوّلاً، وبالفكر الذي تحمله بالتّبع، وقصدَ صدّ أهلها عنها، وتحويل قبلتِهم ووجهتِهم نحو فكرٍ غيرِ فكرهم. يقتنع السّذّج والمغفّلون وأصحاب الضّمائر الرّخوة، والنّفوس الواهنة بحقيقة ما يمليه عليه أولئك القاسطون؛ فينصرفون عن لغتهم (الأمّ)، وعاء فكرهم الحقيقي، وحاملة رسالتهم الصّحيحة، ومستودع ثقافتهم الأصيلة … فيزدرونها ويحتقرونها. فيكنّون لها العداء، ممّا يؤدّي إلى فتح واجهات الصّراع داخل المجتمع العربي والإسلامي، حول المقوّمات والأصول والمبادئ، فتُعْرَضُ مشروعات محاكمة الانتماء، أو المزايدة عليه، أو التّشكيك فيه. إلى غير ذلك من المشاكل والملهيات التي تصدّ عن التّوجيه الصّحيح للطّاقات والقدرات. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " … تثير هذه الإشكاليّة جدلاً دائمًا بين الطّلاب وأساتذتهم، وبين المثقّفين أنفسهم، وتظهر النّتيجة شكلاً من الهروب من واجب المحافظة على الذّات القوميّة، والتّخلّي عن العمل على تعزيز الانتماء، فتلقى التّهم على اللّغة العربيّة؛ لأنّها في رأي معظم المتعلّمين غيرَ قادرة على مواكبة التّطوّر العلمي والحضاري، ولا تستوعبُ المصطلحات العلميّة الحديثة، ولا تساعد على فهم النّظريّات العلميّة المتطوّرة، وهي في رأي بعض دارسي العلوم الإنسانيّة عاجزة عن التّفاعل مع النّظريّات الألسنيّة الحديثة."(3)

أمام هذا السّيل العارم من التّهم الباطلة لا أجدُ إلاَّ أن أقولَ لهؤلاء الضّعفاء الواهنين:

نعيب لساننا والعيُّ فينا … وما للسانِنا من عجزٍ سِوانا

عجزنا عن مواكبة المسار … فقمنا حاملين لها … سِنانا

2 – ضعف العصبيّة القوميّة عند بعض أبناء العربيّة

تشكو اللّغة العربيّة وهنًا في العلاقة الحميميّة بينها وبين بعض أبنائها، ممّا نتج عنه فتورٌ في الحماسة لها، أدّى إلى عدم الاعتراف بها؛ مقوّمًا يبني الشّخصيّة، وأداة فعّالة تساعد على الإبداعِ، وعنصرًا يعين على مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي … لذا نُفِثَ في روعهم، ورسخ في أذهانهم أنّه: لا مجال للتّعامل بها، أو الاحتفاظ بها. إنّها ليست في شيء من الأهميّة والجدوي. النّتيجة والمحصّلة من ذلك اللّجوءُ إلى اللّغات الأخرى والاهتمامُ والاحتفاء بها؛ بديلا عن اللّغة العربيّة. تقول مها خير بك ناصر: " جسّد الاعتزاز بالمنطوق الأجنبي حالة تغريب عن اللّغة القوميّة، فعكس العجز عن

(1) - ذكر بعضها الدّكتور محمّد بوغازي، ينظر كتاب توطين المعرفة العلميّة والتّكنولوجيّة وأهميّة نشرها بالعربيّة، نشر المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر، نوفمبر 2006م، ص: 23.

(2) - ينظر الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي، وكتابه: لماذا اللّغة العربيّة، ط1، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، الرّياض، 1418هـ/ 1998م. فيه فصل، عنوانه: "حقيقة الخطر الذي يهدّد الأمّة المسلمة حين تضعف اللّغة العربيّة " ص: 51 – 60.

(3) - الدّكتورة مها خير بك ناصر، " إشكاليّة اللّغة العربيّة والعولمة في ضوء البنية اللّغويّة وكيميائيّة التّحوّل. "، مجلّة اللّغة العربيّة، المجلس الأعلى للّغة العربيّة، (الجزائر) ، العدد السّادس عشر، خريف 2006م، ص: 284.

١٢ / ٩١