اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ١٤إتقان لغة العصر شعورًا بالنّقص، وإحساسًا بالعجز عن مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي، وبلغت سيطرة اللّغات الأجنبيّة في بعض البلدان العربيّة، درجة يعجز معها المتعلّم عن معرفة اللّفظ العلمي أو الأدبي، أو التّداول اليومي في اللّغة العربيّة، وصارت المعرفة باللّغة العربيّة عند بعضهم مرادفة للجهل والأميّة. "(1)
إنّ هدا الشّعور، أو هذه النّظرة هي من أكبر الأدواء التي تصيب العربيّة في الصّميم. إنّها دعوى باطلة، وفكرة خاطئة. تسبّب ظلمًا وإجحافًا كبيرين، ينالان اللّغة من أبنائها، وظلم دوي القربى أشدّ وأفتك سلاح يفضي إلى الهلاك. ثمّ إنّ هذا الاعتقاد يصرف فلذات الأكباد إلى وجهات أخرى، وترك الأمّ تشكو الغربة والبعد ونكران الجميل، بِضربِها بضرّات لها، تتربّص بها الدّوائر لتنقضَّ عليها، ودفعِ الأبناء لِيَنْفُضُوا أيديهم منها، بعد أن يَنْفَضُّوا من حولها، ويهجروا حجرها، وينأوا عن حضنها.
إذن إنّ اللّغة العربيّة تواجه معوّقات داخليّة، أكثر من المعوّقات الخارجيّة، في طريق سيرورتها وتطوّرها، أو لِنَقُل ضمان حياة طبيعيّة، كما تعيش اللّغات الأخرى التي تجد سندًا ودعمًا وخدمة من بنيها. هنا مكمن الخطر؛ لأنّ هذا لا يدلّ إلاّ على شيء واحدٍ، هو التّخلّي عن هذه اللّغة، وعدم الاعتراف بها مقوّمًا في البناء والتّقدّم، والارتماء في أحضان لغات أخرى دخيلة، بعيدة عن طبيعة الفكر الذي ينتمي إليه العربي المسلم، الذي ينقلب بذلك فأسًا يجتثّ شجرة أصالته من الجذور. تقول مها خير بك ناصر: " … لأنّ الخطر الحقيقي يكمن في ضمير الشّعوب العربيّة. وهو متجسّد في عدم الثّقة بالنّفس، وفي ضعف الانتماء الوطني أوّلاً، والقومي ثانيًا، وفي شدّة الإعجاب بكلّ دخيلٍ، ولو كان مشبوهًا؛ لأنّ الانبهار بما لدى الآخر من دون ملامسة جوهره، ومعرفة شيء من حقيقته، سبَبٌ أساس في تشويه الفكر العربي وتخلّيه عن هُويّتِه. وهذا من الأسباب التي تقود البعض إلى حالة من الانبطاح أمام أصحاب السّلطة، بأسلوب يتنافى وإنسانيّة الإنسان، وكرامة الفرد؛ ممّا ينذر بضياع أبسط مقوّمات الاعتزاز بالنّفس، وبخسارة الاعتزاز بالانتماء الفكري، والتّعويض عنه بانتماء نفعي إلى مجموعة لا تعترف بالقدرات، ليتحوّل إلى رقم في صناديق النّفعيّة."(2)
هذه الأدواء النّفسيّة أكثر الأخطار على اللّغة العربيّة والانتماء؛ لأنّها توجد فجوة أو هوّة كبيرة في العلاقة بين اللّغة وأبنائها، فيزدادان ابتعادًا أو تباعدًا بمرور الزّمن، وينهدّ بذلك الكيان، وتفقد السّيادة. وامتلاك السّيادة الفكريّة أو الثّقافيّة، أو الاحتفاظ بها، منطلقه امتلاك سيادة اللّغة (الأمّ) في وطنها وبين أهلها قبل كلّ شيء.
يقول صالح الخرفي: " عندما يكون العطاء الخارجي على حساب الأصالة الذّاتيّة تفقد اللّغة وظيفتها في بناء الذّات؛ لتتحوّل إلى معول في هدمها. ولن يكون ذلك إلاّ بانقطاع الصّلة بين اللّغة منطوقةً على طرف اللّسان، وبين اللّغة مغروسةً في العمقِ العقائدي، والبعد الحضاري، وهو انفصام رفضته اللّغة العربيّة في أوج سيادتها، فاستعصت بذلك على المتربّصين بها، وعانت منه في عهود الانحطاط والتّبعيّة، فهان أمرها على النّاطقين بها، والكائدين لها. "(3)
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 283.
(2) - المصدر السّابق، ص: 304.
(3) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 18.